ثم ذكر قصة لوط – عليه السلام – فقال :
وَلُوطاً إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ * أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَآءِ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ أَخْرِجُواْ آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً فَسَآءَ مَطَرُ الْمُنذَرِينَ
قلت :( ولوط ) : عطف على ( صالحا ) داخل معه في القسم، أي : ولقد أرسلنا صالحاً ولوطاً. و( إذ قال ) : ظرف للإرسال، أو : منصوب باذكر، و( إذ قال ) : بدل من ( لوط ).
يقول الحق جل جلاله : و لقد أرسلنا لوطاً ، أو : واذكر لوطاً إِذْ قال لقومه أي : وقت قوله لهم : أتأتونَ الفاحشةَ أي : الفعلة المتناهية في الفُحش والسماجة، وأنتم تبصرون أي : الحالة أنكم تعلمون علماً يقينياً أنها فاحشة، لم تُسبَقوا إليها. والجملة الحالية تفيد تأكيد الإنكار، فإنَّ تعاطيَ القبيح من العالم بقُبحه أقبح وأشنع، ولذلك ورد في الخبر :" أشدُّ الناس عذاباً يوم القيامةِ عَالِمٌ لم ينْفَعْهُ الله بعلْمِه١ ". وقال الفخر : لا تصدر المعصية من العالم قط وهو عالم، وحين صدورها منه هو جاهل ؛ لأنه رجح المرجوح وترجيح المرجوح جهل، ولذلك قال : بل أنتم قوم تجهلون . ه.
وفي الحديث :" لا يَزني الزاني حين يزني وهو مؤمن٢ " إذ لو صدّق بإطلاع الحق عليه ما قدر على الزنى، لكنه جهل ذلك. و تُبصرون ، من : بصر القلب. وقيل : يُبصر بعضُكم بعضاً ؛ لأنهم كانوا يرتكبونها في ناديهم، معلنين بها، لا يستتر بعضهم من بعض، مَجانةً وانهماكاً في المعصية، أو : تُبصرون آثار العصاة قبلكم، وما نزل بهم.
٢ أخرجه البخاري في المظالم حديث ٢٤٧٥، ومسلم في الإيمان حديث ١٠٠..
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي