ﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤ

ومن قصة صالح وما فيها من المثلاث والعبر، انتقل كتاب الله للحديث مرة أخرى عن قوم لوط، وما ابتدعوه من الفاحشة الكبرى التي غطت على بقية الفواحش، حتى عم مقتها وانتشر، بين كافة البشر، وذلك قوله تعالى هنا : ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون
لقد كانت نهاية الربع الماضي بداية للحديث عن آخر قصة في سورة النمل المكية، وهي قصة لوط مع قومه، وهذه القصة تجدد ذكرها في ثمان سور من القرآن الكريم، فتولى كتاب الله في سبع منها التشهير بعمل قوم لوط والتنفير منه، وذكر العقاب الإلهي الصارم الذي عاقبهم به على فاحشتهم الكبرى، ألا وهي سور : الأعراف، وهود، والحجر، والشعراء، والنمل، والعنكبوت، والقمر، واقتصر في واحدة منها وهي سورة الصافات على وصف عقابهم دون وصف عملهم، اكتفاء بما رددته السور الأخرى، فقال تعالى في سورة الأعراف : ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، إنكم لتاتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم مسرفون [ ٨٠، ٨١ ]. وقال تعالى في سورة هود : وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات، قال يا قوم هؤلاء بناتي يشير إلى بنات قومه ويدعوهم إلى الزواج بهن هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي، أليس منكم رجل رشيد، قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد [ ٧٨، ٧٩ ]. وقال تعالى في سورة الحجر : قال إن هؤلاء ضيفي فلا تفضحون، واتقوا الله ولا تخزون ، وفيها أيضا : قال هؤلاء بناتي إن كنتم فاعلين [ الآيات : ٦٨، ٧١، ٦٩ ] وقال تعالى في سورة الشعراء : أتأتون الذكران من العالمين، وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم، بل أنتم قوم عادون [ ١٦٦، ١٦٥ ]. وقال تعالى في سورة العنكبوت : ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتاتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين، أئنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر [ ٢٩، ٢٨ ]. وقال تعالى في سورة القمر : ولقد راودوه عن ضيفه فطمسنا أعينهم [ ٣٧ ]. وقال تعالى في نهاية الربع الماضي من سورة النمل : أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون، أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء، بل أنتم قوم تجهلون [ ٥٥، ٥٤ ].
ومن عرض هذه الآيات في صعيد واحد يتضح ما كان لعمل قوم لوط من أبعاد خطيرة، وما يؤدي إليه عند انتشاره من مفاسد كبيرة، فقد أوحى إليهم شيطانهم أن قضاء الشهوة هو الهدف الأول والأخير من وجود الغريزة الجنسية، وأنه لا معنى لوجود أي هدف أخلاقي أو اجتماعي من ورائها، وأنه لا ضرورة تدعو إلى التستر بها وكتمانها، وكانوا يحملون الكراهية والبغض للنساء عموما، ويتبجحون بإعلان النفور من معاشرتهن في كل المناسبات إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون وتأتون في ناديكم المنكر ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد }. وهذا الوضع الشاذ يؤدي عند استفحال عدواه إلى رفض الذكور للزواج، اكتفاء بأمثالهم، ويتبعه في نفس الوقت بصورة آلية اكتفاء الإناث بأمثالهن، فلا يبقى أي حافز يحفز على الزواج وتأسيس الأسرة، لا بالنسبة للرجال ولا بالنسبة للنساء، وبذلك يقع القضاء التام على ملكة الإخصاب والإنجاب، لأنها لا تؤدي دورها إلا عند تزاوج الذكور والإناث، فيتوقف النسل في البداية، ثم ينقطع النسل في النهاية، وهكذا يتعرض المجتمع البشري متى انتشرت فيه هذه العدوى وسادت العلاقات الجنسية للاختلال والانحلال، ويتعرض النوع الإنساني تدريجيا في مختلف الأقطار للفناء والانقراض، وذلك خلاف مراد الله ونقيض حكمته، من حمل الإنسان للأمانة والجلوس على عرش خلافته إني جاعل في الأرض خليفة [ البقرة : ٣٠ ] إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها الإنسان } [ الأحزاب : ٧٢ ].
ومن هذه النبذة القصيرة يتبين السر في التشهير بعمل قوم لوط والتنفير منه في كتاب الله، والتعبير عنه في ثلاث سور مختلفة بلفظ ( الفاحشة ) معرفا بالألف واللام، إبرازا لشدة قبحه، وتنبيها إلى أنه أم الفواحش وأكبرها وأخطرها جميعا، لما فيه إذا استفحل أمره من أخطار بالغة على نظام المجتمع، ومصير النوع الإنساني الذي يرتبط به عمران العالم. أضف إلى ذلك ما هو مركوز في العقول والفطر من قبحه وشناعته والنفور منه، حتى أصبح لفظ ( الفاحشة ) أصدق تعريف له، ولذلك خاطبهم لوط عليه السلام، كما حكى عنه كتاب الله، قائلا لهم في سورة الأعراف : بل أنتم قوم مسرفون [ ٨١ ]، وفي سورة الشعراء : بل أنتم قوم عادون [ ١٦٥ ]، وهنا في سورة النمل : بل أنتم قوم تجهلون .
وواضح أن من انحرف عن طريق الفطرة السوي، ولم يستجب لداعي الميل الطبيعي المركوز في الذكر نحو الأنثى والأنثى نحو الذكر، وكرس حياته لمجرد قضاء الشهوة البهيمية من دون تحقيق أي هدف إنساني نبيل من ورائها، يكون قد بلغ الغاية في " الإسراف "، والغاية في " العدوان "، والغاية في " الجهل " بكلا معنييه : معناه المضاد للعلم، ومعناه المنافي لمكارم الأخلاق. و " الإسراف " في الشيء هو الزيادة المفسدة للغرض المقصود منه.

التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير