١٩ - فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا أي: بالقبطي، الذي هو عدو لموسى والإسرائيلي، [ظن الإسرائيلي] (١) أن موسى يريد أن يبطش به لقوله له (٢): إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ فقال: يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ وهذا قول جميع المفسرين (٣).
قال ابن عباس والكلبي: ولم يكن أحد اطلع ولا علم أن موسى هو الذي قتل القبطي بالأمس، حتى أفشى عليه الإسرائيلي أنه هو القاتل بالأمس، وسمع القبطي ذلك فعَلِم به، وأتى فرعون فأخبره (٤).
والذي قاله المفسرون: إنه لم يستثن فابتلي، هو هذا، وهو أنه وقع من الغد في مثل ما وقع بالأمس، وهمَّ بالبطش حتى فشت عليه قصته الواقعة بالأمس، حتى احتاج إلى الهرب.
قوله تعالى: إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ أي: ما تريد إلا أن تكون جبارًا. قال المفسرون: قتالًا بالظلم (٥).
قال أبو إسحاق: الجبار في اللغة: المتعظم الذي لا يتواضع لأمر
(٢) له، من نسخة: (أ)، (ب).
(٣) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٨، عن ابن عباس. و"تفسير مقاتل" ٦٤ أ. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٣٧. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٤٣ ب. و"وضح البرهان" ٢/ ١٤٨.
(٤) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٧، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٩، عن محمد بن إسحاق.
(٥) "تفسير مقاتل" ٦٤ أ. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٤٩، عن قتادة، وابن جريج. وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩، عن أبي عمران الجوني، وقتادة. وانظر: "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٤٣ ب.
الله، والقاتل بغير حق: جبار (١).
وقوله: وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ قال أبو إسحاق: أي ما هكذا يكون الإصلاح (٢). قالوا: فلما سمع القبطي هذا من قول الإسرائيلي خلاه في يد موسى، وجاء القبطَ (٣) فأخبرهم بأن موسى هو (٤) القاتل، فأمر فرعون بقتله، وعلم بذلك رجل من شيعة موسى فأتاه، وأخبره بذلك (٥)، وهو قوله: وَجَاءَ رَجُلٌ قال ابن عباس: اسمه حزقيل، وهو الرجل المؤمن من آل فرعون. هذا قول أكثر المفسرين (٦).
وقال ابن إسحاق: يقال له: سَمْعان، ولم يذكر أنه المؤمن من آل فرعون (٧) مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ أي: من آخرها وأبعدها يَسْعَى قال مقاتل: على رجليه (٨). وقال ابن عباس: يشتد.
(٢) أخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٠.
(٣) في نسخة: (ج): القبطي.
(٤) هو، ساقطة من: (أ)، (ج).
(٥) أخرجه أبو يعلى ٥/ ١٨، عن ابن عباس. وأخرجه ابن جرير ٢٠/ ٥٠، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي. وذكر نحوه مقاتل ٦٤ أ. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٤٤ أ.
(٦) "تفسير مقاتل" ٦٤ أ. وأخرجه عبد الرزاق ٢/ ٨٩، عن قتادة، دون ذكر الاسم. وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩، عن ابن عباس، بلفظ: من شيعة موسى، ولم يذكر الاسم، ولا الصفة. قال الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ: قال أكثر أهل التأويل: هو حزبيل بن صبورا.
(٧) أخرجه ابن جرب ٢٠/ ٥١، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٩٥٩. وذكره الثعلبي ٨/ ١٤٤ أ، ولم ينسبه. وهذا خلاف لا فائدة فيه، ولا ثمرة ترجى من ورائه، والإعراض عنه أولى.
(٨) "تفسير مقاتل" ٦٤ أ.
قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يريد: الأشراف، يعني: أشراف قوم فرعون (١) يَأْتَمِرُونَ بِكَ قال أبو عبيدة: يتشاورون فيك ليقتلوك. واحتج بقول ربيعة بن جُعشم النَّمْرِيُّ (٢):
أَحارُ بنَ عمرٍو كأني خَمِر... ويعدو على المرء ما يأتمر (٣)
قال ابن قتيبة: وهذا غلط بَيَّنٌ لمن تدبر، ومضادَّةٌ للمعنى، كيف يعدو على المرء ما شاور فيه، والمشاورة بركة وخير؟ وإنما أراد: يعدو عليه بما يهم به من الشر. قال: وقوله تعالى: إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ أي: يَهِمُّون بك. يدلك على ذلك قول النَّمر بن تَوْلب (٤):
اعْلَمن أن كل مُؤْتَمِر... مُخطئٌ في الرأي أحيانًا (٥)
(٢) في النسخ الثلاث: النميري.
(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ١٠٠. ونسب البيت لربيعة بن جُعشَم النمري. وعنه ابن قتيبة، "غريب القرآن" ٣٣٠، والأزهري، "تهذيب اللغة" ١٥/ ٢٩٤ (أمر). وأنشده البغدادي ١/ ٣٧٤، ونسبه لامرئ القيس، وهو في ديوانه ١١١، قال البغدادي: وأثبت هذه القصيدة له أبو عمرو الشيباني، والمفضل وغيرهما، وزعم الأصمعي في روايته عن أبي عمرو بن العلاء أنها لرجل من أولاد النمر بن قاسط يقال له: ربيعة بن جُعشم. وفيه: أحارُ: مرخم: يا حارث، كأني خمر: الخمار بقية السكر. وهو قول ابن جرير ٢٠/ ٥٢، قال: يتآمرون بقتلك، ويتشاورون، ويرتئون فيك. وذكر هذا القول دون البيت النيسابوري، في "وضح البرهان" ٢/ ١٤٩.
(٤) النمر بن تولب بن زهير، شاعر جواد، كان يسمى: الكيِّس لحُسن شعره، قدم على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأسلم. "الإصابة في معرفة الصحابة" ٢٥٣، و"الشعر والشعراء" ١٩٥
(٥) أنشده ونسبه ابن قتيبة، "غريب القرآن" ٣٣٠، وذكر بعده بيتًا آخر، هو:
فإذا لم يصب رشدًا... كان بعضُ اللوم ثُنيانًا
وعن ابن قتيبة ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٥/ ٢٩٤، ولم ينسبه.
يقول: كلُّ من ركب هواه، وفعل ما يفعل بغير مشاورة أخطأ أحيانًا. وكذلك قوله تعالى: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ [الطلاق: ٦] لم يُرِد: تَشاوروا، إنما أراد: هُمُّوا به، واعتزموا عليه. ولو كان كما قال أبو عبيدة لقال: يتآمرون فيك (١).
وقال الزجاج في قوله: يَأْتَمِرُونَ بِكَ يأمر بعضهم بعضًا بقتلك (٢).
قال الأزهري: يقال: ائتمر القوم، وتآمروا: إذا أمر بعضهم بعضًا (٣)، كما يقال: اقتتل القوم وتقاتلوا، واختصموا وتخاصموا. ومعنى: يَأْتَمِرُونَ بِكَ يؤامر بعضهم بعضًا بقتلك؛ وهذا أحسن من قول القتيبي: إنه بمعنى: يَهِمُّون بك، وقول الله تعالى: وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ ليأمر بعضكم بعضًا بمعروف. وجائز أن يقال: ائتمر فلان رأيه، إذا شاور عقله في الأمر الذي يأتيه. وقد يصيب الذي يأتمر رأيه مرة، ويخطئ أخرى، وهذا معنى قوله: اعلمن أن كل مؤتمر.
أي: من ائتمر رأيه فيما ينوبه يخطئ أحيانًا. انتهى كلامه (٤). ومعنى الائتمار في كلام العرب: المشاورة، وهو يعود إلى أن يأمر بعضهم بعضًا (٥)، كما ذكره الزجاج.
قال شمر: يقال: ائتمرت فلانًا في ذلك الأمر، إذا شاورته، وائتمر
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ١٣٨. و"وضح البرهان" ٢/ ١٤٩.
(٣) في نسخة: (ب)، زيادة: بقتلك. وهي غير موجودة في "التهذيب".
(٤) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٢٩٥ (أمر).
(٥) في نسخة: (أ)، (ب): بعضكم بعضًا.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي