ثم يقول الحق سبحانه :{ ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا
القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون٤٣ }
قول تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب من بعد ما أهلكنا القرون الأولى.. ٤٣ [ القصص ] قوم نوح وعاد وثمود وغيرهم، يعني : أن موسى – عليه السلام – جاء برزخا وواسطة بين رسل كذبتهم أممهم، فأخذهم الله بالعذاب، ولم يقاتل الرسل قبل موسى، إنما كان الرسول منهم يبلغ الرسالة ويظهر الحج، وكانوا هم يقترحون الآيات، فإن أجابهم الله وكذبوا أوقع الله بهم العذاب.
كما قال سبحانه :
فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا(١) وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون٤٠ [ العنكبوت ]
وهذا كله عذاب استئصال، لا يبقى من المكذبين أحدا.
ثم جاء موسى – عليه السلام – برزخا بين عذاب الاستئصال من الله تعالى للمكذبين دون تدخل من الرسل في مسألة العذاب، وبين رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، حيث أمره الله بقتال الكفار والمكذبين دون أن ينزل بهم عذاب الاستئصال، ذلك لأن رسالته عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وهو صلى الله عليه وسلم مأمون على حياة الخلق أجمعين.
لذلك يقول تعالى في مسألة القتال في عهد موسى عليه السلام : ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى.. ٢٤٦ [ البقرة ] إنما في عهده وعصره إذ قالوا لبني لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنا ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم.. ٢٤٦ [ البقرة ]
وقد ورد أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( ( ما عذب الله قوما، ولا قرنا، ولا أمة، ولا أهل قرية منذ أنزل الله التوراة على موسى ) )(٢).
كأن عذاب الاستئصال انتهى بنزول التوراة، ولم يستثن من ذلك إلا قرية واحدة هي ( أيلة ) التي بين مدين والأردن.
والحق – تبارك وتعالى – يعطينا أول تجربة لمهمة، وتدخل الرسل في قصة موسى عليه السلام.
وروي عن أبي أمامة أنه قال : وإني لتحت رحل رسول الله – يعني : ممسكا برحل ناقة الرسول – يوم الفتح، فسمعته يقول كلاما حسنا جميلا، وقال فيما قال :( ( أيما رجل من أهل الكتاب يؤمن بي فله أجران – أي : أجر إيمانه بموسى، أو بعيسى، وأجر إيمانه بي – له ما لنا وعليه ما علينا ) )(٣).
وهذا يعني أن القتال لم يكن قد كتب عليهم.
وقوله تعالى : ولقد آتينا موسى الكتاب.. ٤٣ [ القصص ]أي : التوراة من بعد ما أهلكنا القرون الأولى.. ٤٣ [ القصص ]أي : بدون تدخل الأنبياء بصائر للناس.. ٤٣ [ القصص ] أي : آتيناه الكتاب ليكون نورا يهديهم، وبصيرة ترشدهم، وتنير قلوبهم وهدى ورحمة.. ٤٣ [ القصص ] هدى إلى طريق الخير ورحمة تعصم المجتمع من فساد المناهج الباطلة، وتعصمهم أن يكونوا من أهل النار لعلهم يتذكرون٤٣ [ القصص ]
والتذكر يعني : أنه كان لديك قضية، ثم نسيتها فاحتجت لمن يذكرك بها، فهي ليست جديدة عليك، هذه القضية هي الفطرة :
فطرت الله التي فطر الناس عليها.. ٣٠ [ الروم ]
لكن هذه الفطرة السليمة تنتابها شهوات النفس ورغباتها، وتطرأ عليها الغفلة والنسيان، لذلك يذكر الحق سبحانه الناس بما غفلوا عنه من منهج الحق، إذن : في الفطرة السليمة المركوزة في كل نفس مقومات الإيمان والهداية، لولا غفلة الإنسان.
-فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا٤٠ [العنكبوت] هم: قوم عاد. أرسل الله عليهم ريحا عاتية حملت عليهم حصباء الأرض، فألقتها عليهم واقتلعتهم من الأرض.
-ومنهم من أخذته الصيحة٤٠ [العنكبوت] هم: قوم ثمود، جاءتهم صيحة أخمدت الأصوات منهم والحركات.
-ومنهم من خسفنا به الأرض٤٠[العنكبوت]هو: قارون، خسف الله به وبداره الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة.
- ومنهم من أغرقنا٤٠ [العنكبوت] هو فرعون ووزيره هامان وجنودهما عن آخرهم. [تفسير ابن كثير٣/٤١٣]..
٢ أخرجه الحاكم في مستدركه (٤/٤٠٨) من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ: ((ما أهلك الله قوما ولا قرنا ولا أمة ولا أهل قرية منذ أنزل التوراة على وجه الأرض بعذاب من السماء غير أهل القرية التي مسخت قردة)) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد(٧/٨٨) ((رواه البزار موقوفا ومرفوعا، ورجالهما رجال الصحيح))..
٣ أخرجه ابن ماجة في سننه (١٩٥٦)، وسعيد بن منصور في سننه (٩١٣) من حديث أبي موسى الأشعري، ولفظه: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم أدركه النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به، ثم اتبعه فله أجران)).
.
تفسير الشعراوي
الشعراوي