الآيتان ٦٥ و٦٦ ] وقوله تعالى : ويوم/ ٤٠٠- ب/ يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين فعميت عليهم الأنباء اختلف فيه :
قال قائلون : إنما يسألون عن إجابتهم الرسل : ماذا أجبتموهم ؟ على علم منه أنهم ماذا أجابوهم ؟ فعميت عليهم الأنباء أي الإجابة، فلا تتهيأ لهم الإجابة لهول ذلك [ اليوم ]١ وفزعهم.
وقال بعضهم : إنما يسألون عن الحجة والعذر الذي به كانوا تركوا إجابة الرسل، فيقال لهم : لأي حجة وعذر تركتم إجابتهم.
[ وقوله تعالى ]٢ : فهم لا يتساءلون قال بعضهم : لا يسأل بعضهم بعضا، بل يتبرأ بعضهم من بعض، ويكفر بعضهم ببعض، ويلعن بعضهم بعضا٣ على ما ذكر في الكتاب٤.
وقال بعضهم : فهم لا يتساءلون بالأنساب يومئذ لما لا حجة لهم، ولا برهان ؛ أي لا يسأل بعضهم بعضا عن الحجج لأن الله أدحض حججهم، وكلل ألسنتهم.
وقال بعضهم : فهم لا يتساءلون بالأنساب يومئذ كما كانوا يتساءلون في الدنيا كقوله : فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [ المؤمنون : ١٠١ ] والله أعلم بذلك.
ثم إن بعض المعتزلة تكلموا فيه، وقالوا : لو كان الأمر على ما قاله القدريون والجبريون في المشيئة والإرادة لكان يسهل لهم الاحتجاج، ويهون لهم العذر، فيقولون : يا ربنا أجبنا من نفذ من مشيئتك وإرادتك وما مضى من قضائك وكتابك علينا إذ كنت أنت قضيت، وكتبت علينا، وشئت، وأردت، بما٥ كان منا من التكذيب لهم وترك الإجابة، فلم يكن لنا تخلص مما شئت أنت، وقضيت علينا.
إلى هذا الخيال يذهب جعفر بن حرب. وهذا منه٦ تعليم لأولئك الكفرة الحجاج بالباطل والكذب بين يدي رب العالمين للتكذيب الذي كان منهم.
ثم يقال : لو كان لهم ذلك الحجاج على زعمكم فلا يكون ذلك لهم بقولنا، ولكن إنما يكون بكتاب الله وسنة رسوله وقول المسلمين أجمعين حين٧ قالوا : ما شاء الله كان، وما٨ لم يشأ لم يكن.
وبكتاب الله ذكر٩ في غير آية من القرآن [ قوله ]١٠ : يهدي به من يشاء من عباده [ الأنعام : ٨٨ ] وقوله : إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء [ القصص : ٥٦ ] وقوله : ولو شاء الله لجمعهم على الهدى [ الأنعام : ٣٥ ] وقوله : ولو شاء ربك لأمن من في الأرض كلهم الآية [ يونس : ٩٩ ] وأمثاله مما لا يحصى من الآيات. فإن كان لهم ذلك فإنما يكون بما ذكر لا بقولنا.
وأصله أنه لا يكون لهم هذا النوع من الاحتجاج لأنهم وقت لا يعقلون بأن الله شاء ذلك لهم، أو قضى، وكتب ذلك عليهم، وهم يودون، ويحبون وقت فعلهم أن يشاء الله ذلك منهم، ويرضى. فإن كانوا وقت فعلهم لا يعقلون ذلك فكيف يكون لهم الحجاج على ما كانوا يفعلون ذلك١١ ؟ لكن هذا منهم تعليم الكذب لهم ليكذبوا بين يدي رب العالمين على ما ذكر.
وأصل قولنا في هذا : أنا نقول : إنه شاء من كل ما علم أنه يكون منه ؛ إذ لا يجوز أن يشاء منه خلاف علمه١٢ أنه يكون لأن فيه أحد وجهين : إما الجهل بالعواقب وإما العجز فيه، وذلك من الله منفيان. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
وأصله ما روي عن أبي حنيفة. رحمه الله، أنه قال : بيننا وبين القدرية حرفان :
هما١٣ : أنا نقول : إن الله أعلم ما يكون أنه يكون. فإن قالوا : لا كفروا لأنهم جهلوا الله، وإن قالوا : بلى، فيقال لهم : وشاء أن يكون. فإن١٤ قالوا : لا كفروا لأنهم يقولون : شاء أن يجهل ذلك، [ وإن قالوا : بلى ]١٥ لزمهم قولنا في المشيئة والإرادة لله في ذلك.
قال أبو عوسجة والقتبي : فعميت بالتخفيف أي خفيت فعميت بالتشديد١٦ أي أخفيت.
٢ - ساقطة من الأصل وم..
٣ - من م، في الأصل ببعض..
٤ - إشارة إلى قوله تعالى: ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا [العنكبوت: ٢٥]..
٥ - في الأصل وم: ما..
٦ - ساقطة من م..
٧ - في الأصل وم: حيث..
٨ - الواو ساقطة من الأصل..
٩ - أدرج قبلها في الأصل وم: ما..
١٠ - ساقطة من الأصل وم..
١١ - في الأصل وم: لا لذلك..
١٢ - في الأصل وم: علم..
١٣ - في الأصل: أحدهما، ولعل الحرفين: لا وبلى الآتيان..
١٤ - في الأصل وم: فإنه..
١٥ - من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
١٦ - انظر معجم القراءات القرآنية ج٥/ ٣٠..
تأويلات أهل السنة
محمد بن محمد بن محمود، أبو منصور الماتريدي
مجدي محمد باسلوم