ما تكن صدورهم أي : السر يعلم السر وأخفى٧ [ طه ] والسر : ما تركته في نفسك محبوسا، وأسررته عن الخلق لا يعرفه إلا أنت، أو السر : ما أسررت به إلى الغير، وساعتها لن يبقى سرا، وإذا ضاق صدرك بأمرك، فصدر غيرك أضيق.
وإذا كان الحق سبحانه يمتن علينا بأن علمه واسع يعلم السر، فهو يعلم الجهر من باب أولى ؛ لأن يشترك فيه جميع الناس ويعرفونه. أما الأخفى من السر، فلأنه سبحانه ما تسره في نفسك قبل أن يوجد في صدرك، وهو وحده الذي يعلم الأشياء قبل أن توجد.
ولك أن تسأل : إذا كان من صفاته تعالى أنه يعلم السر وما هو أخفى من السر، فماذا عن الجهر وهو شيء معلوم للجميع ؟ وهذه المسألة استوقفت بعض المستشرقين وأتباعهم من المسلمين ( المنحلين ) الذين يجارونهم.
وحين نستقرئ آيات القرآن نجد أن الله تعالى سوى في عمله تعالى بين السر والجهر، فقال سبحانه سواء منكم من أسر القول ومن جهر به.. ١٠ [ الرعد ]
وقال سبحانه : وأسروا قولكم أو اجهروا به.. ١٣ [ الملك ]
والآية التي معنا : وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون٦٩ [ القصص ] وفي هذه الآيات قدم السر على الجهر، وأما في قوله تعالى :
سنقرئك فلا تنسى ٦ إلا ما شاء الله إنه يعلم الجهر وما يخفى٧ [ الأعلى ]
وقال سبحانه : إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون١١٠ [ الأنبياء ] فقدم العلم بالجهر على العلم بالسر، ولا يقدم الجهر إلا إذا كان له ملحظية خفاء عن السر، وهذه الملحيظة غفل عنها السطحيون، فأخطأوا في فهم الآية.
فأنت مثلا لو أسررت في نفسك شيئا، فربما ظهر في سقطات لسانك أو على ملامح وجهك، وربما خانك التعبير فدل على ما أسررته، ألم يقل الحق سبحانه وتعالى : ولتعرفنهم في لحن القول.. ٣٠ [ محمد ]
إذن : هناك قرائن وعلامات نعرف بها السر، أما الجهر وهو من الجماعة ليس جهرا واحدا ؛ لأنه مقابل بالجمع : إنه ةيعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون١١٠ [ الأنبياء ] فالمعنى : ويعلم ما تجهرون وما تكتمون.
ولك أن تتابع مظاهرة لجمع غفير من الناس، يهتف كل منهم هتافا، أتستطيع أن تميز بين هذه الهتافات، وأن ترجع كلا منها إلى صاحبها ؟ هذا هو اللغز في الجهر والملحظ الذي فاتهم تدبره، لذلك امتن الله علينا بعلمه للجهر من القول الذي لا نعلمه نحن مهما أوتينا من آلات فرز الأصوات وتمييزها.
لذلك يقولون : لا تستطيع أن تحدد جريمة في جمهور من الناس ؛ لأن الأصوات والأفعال مختلطة، يستتر كل منها في الآخر كما يقولون : الفرد بالجمع يعصم.
ويقولون : الجماهير ببغائية، كما قال شوقي في مصرع كليوباترا، لما انهزموا في يوم ( أكتيوما ) وأشاعوا أنهم انتصروا، لكن هذه الحيلة لا تنطلي على العقلاء من القوم، فيقول أحدهم للآخر عن غوغائية الجماهير :
اسمع الشعب ديون***كيف يوحون إليه
ملأ الجو هتافا***بحياتي قاتليه
أثر البهتان فيه***وانطلى الزور عليه
يا له من ببغاء***عقله في أذنيه
إذن : فعلم الجهر هنا ميزة تستحق أن يمتن الله بها، كما يمتن سبحانه بعلم السر.
وقال سبحانه وربك يعلم.. ٦٩ [ القصص ] ليطمئن رسول الله ؛ لأنه سبحانه ربه، والمتولى لتربيته والعناية به، يقول له : لا تحزن مما يقولون، فأنا أعلم سرهم وجهرهم، فإن كنت لا تعرف ما يقولون فأنا أعرفه، وسوف أخبرك به، ألم يقل سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم : ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول.. ٨ [ المجادلة ]
فأخبره ربه بما يدور حتى في النفوس، كأنه سبحانه يقول لرسوله : إياك أن تظن أنني سأؤاخذهم بما عرفت من أفعالهم فحسب، بل بما لا تعلم مما فعلوه، ليطمئن رسول الله أنه سبحانه يحصي عليهم كل شيء.
تفسير الشعراوي
الشعراوي