ﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸ

وبعد أن تكلم الحق سبحانه عن المقدمات في عمومها، أراد أن يتكلم عنها في خصوص الرسلات، فقال سبحانه :
{ ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة١
إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون١٤ }
يقول العلماء : إن نوحا – عليه السلام – هو أول رسل الله إلى البشر، أما من سبقه مثل آدم وإدريس عليهما السلام، فكانوا أنبياء أوحى الله إليهم بشرع يعملون به، فيكونون نموذجا إيمانيا، وقدوة سلوك طيب، يقلدهم من رآهم، لكن لايعد كافرا من لم يقتد بهم، أما إن اقتدى بهم ثم نكث عن سبيلهم فهو كافر.
لذلك نفرق بين النبي والرسول، بأن النبي أوحى إليه بشرع يعمل به ولم يؤمر بتبليغه، أما الرسول فقد أوحى إليه بشرع وأمر بتبليغه فكل منهما مرسل، لذلك يقول تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي.. ٥٢ [ الحج ]
إذن : فالنبي أيضا مرسل، لكنه مرسل لذاته.
لكن لماذا كان هذا قبل نوح بالذات ؟ قالوا : لأن الرقعة الإنسانية كانت ضيقة قبل نوح، وكان الناس حديثي عهد، لم تنتشر بينهم الانحرفات، فلما اتسعت الرقعة، وتداخلت أمور الحياة احتاجت الخليقة لأن يرسل الله إليهم الرسل.
والحق سبحانه يأتي بهذه اللقطة الموجزة من قصة نوح – عليه السلام – مع أن له سورة مفردة، وله لقطات كثيرة منثورة في الكتاب العزيز، لكن هذه اللقطة تأتي لنا بالبداية والنهاية فقط وكأنها برقية ( تلغرافية ) في مسألة نوح :
ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه.. ١٤ [ العنكبوت ]
إذن : الرسول جاء من القوم، وهذا يعني أنهم يعرفونه قبل أن يكون رسولا، ويجربون سلوكه وحركته في الحياة، ويعرفون خلقه، ويعرفون كل تصرفاته، فليس الرسول بعيدا عنهم أو مجهولا لهم.
لذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما جهر بالدعوة آمن به الذين يعرفونه عن قرب دون أن يسألوه عن معجزة تؤيده، بل بمجرد أن قال أنا رسول الله آمنوا به وصدقوه واتبعوه.
فسيدنا أبو بكر، هل سمع من رسول الله قبل أن يؤمن به ؟ لا، إنما بمجرد أن قالوا له : إن صاحبك تنبأ قال : آمنت به٢، لماذا ؟ لأنه يعرف له سوابق يبني عليها إيمانه بصاحبه، فما كان محمد ليكون صاحب خلق عظيم من الناس، ثم يكذب على الله.
إذن : ففي كون الرسول من قومه إيناس للخلق ؛ لذلك لما قالوا : لا نؤمن إلا إذا جاءنا الرسول ملكا رد عليهم : أأنتم ملائكة حتى ينزل عليكم ملك ؟
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا٩٥ [ الإسراء ]
ولو فرض أننا أرسلناه ملكا أهم يرون الملائكة ؟ لا يرونها، فكيف إذن يبلغ الملك الناس ؟ لابد أن يأتيهم في صورة بشر، ولو أتاهم في صورة بشر لقالوا نريد ملكا.
وقوله عز وجل : فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما.. ١٤ [ العنكبوت ] هذا العدد من الممكن أن يؤدي لمعان كثيرة، فلم يقل : فلبث فيهم تسعمائة وخمسين عاما٣. وفي الأعداد في القرآن أسرار كثيرة، واقرأ مثلا : وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة.. ١٤٢ [ الأعراف ]
وفي آية سورة البقرة قال الحق سبحانه : وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة.. ٥١ [ البقرة ]
ففي سورة البقرة إجمال، وفي آية الأعراف تفصيل. والحكمة في هذا أن موسى عليه السلام ما إن ذهب لميقات ربه حتى عبد قومه العجل في مدة الثلاثين ليلة. ولم يشأ الله أن يترك موسى ليعود لقومه بعد الثلاثين ليلة، بل أتمها بعشر أخر، حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه، فكأن العشر زادت على الثلاثين ليلة، ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة.
فالمسألة في منتهى الدقة، ولو لم يأت بالاستثناء في قوله : إلا خمسين عاما.. ١٤ [ العنكبوت ] فربما يظن السامع أن المسألة تقريبية، لكن التقريب في عد البشر، أما في حساب الحق سبحانه فهو منتهى الدقة، كما لو سئلت مثلا عن الساعة، فتقول : الساعة العاشرة إلا دقيقة ونصفا، يعني : منتهى ما في استطاعتك من حساب الوقت.
فإن قلت : فلماذا هذه اللقطة السريعة من قصة نوح عليه السلام ؟ نقول : هي لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن قومه وقفوا منه موقف العداء والمكابرة والتكذيب، وآذوا أصحابه، وضيقوا الخناق على دعوته، وقد طالت هذه المسأل حتى أخذت ثلاث عشرة سنة من عمر الدعوة، فسلاه ربه : اصبر يا محمد، فقد صبر زميل لك في الدعوة ألف سنة إلا خمسين عاما، يعني مدة المشقة التي تحملتها ما وزالت بسيطة هينة، وقد تحمل أولو العزم من الرسل أكثر من ذلك.
ونلحظ هنا ألف سنة.. ١٤ [ العنكبوت ] ثم استثنى منها إلا خمسين عاما.. ١٤ [ العنكبوت ] ولم يقل خمسين سنة، فاستثنى الأعوام من السنين، ليذلك على أن السنة تعني أي عام، ويرفع الخلاف ؛ لأن البعض يقول : إن السنة هي التي تبدأ من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة، في حين أن السنة ليس من الضروري أن تبدأ بالمحرم وتنتهي بذي الحجة، إنما تبدأ في أي وقت وتنتهي في مثله بعد عام كامل.
فحين نقول : فلان عمره مثلا عشرون سنة، أي : من يوم مولده إلى مثله عشرين مرة، وكذلك العام. إذن : السنة والعام والحجة، كلها سواء أردت الحساب بالسنة الشمسية، أو القمرية، أو غيرها كما تحب.
ومعلوم أن التوقيتات عندنا توقيتات هلالية بالشهر العربي ؛ لأن الشمس لا يعرف من حركتها إلا اليوم، إنما لا نعرف منها الشهر، الشهر نعرفه بحركة القمر حين يولد الهلال، وبالشهر نحسب السنة التي هي اثنا عشر شهرا قمريا وتزيد أحد عشر يوما في السنة الشمسية.
وكأن الحق سبحانه أراد أن يعلمنا أن السنة هي العام، لا فرق بينهما، ولا داعي للجاج في هذه المسألة.
ثم يذكر سبحانه نهاية هؤلاء القوم الذين كذبوا : فأخذهم الطوفان وهم ظالمون١٤ [ العنكبوت ] فالعلة في أخذهم، لا لأنهم أعداء، بل لأنهم ظالمون لأنفسهم بالكفر، وهكذا تنتهي القصة أو اللقطة في آية واحدة الغرض منها تسلية النبي صلى الله عليه وسلم، إن أبطأ نصره على الكفار.
وكلمة فأخذهم.. ١٤ [ العنكبوت ] الأخذ فيه دليل على الشدة وقوة التناول، لكن بعنف أو بغير عنف ؟ إن كان الأخذ لخصم فهو أخذ بعنف وشدة، وإن كان لغير خصم كان بلطف.
والطوفان : أن يزيد الماء عن الحاجة الرتيبة للناس، فبعد أن كان وسيلة حياة، ومنه كل شيء حي يصبح وسيلة موت وهلاك، وكأن الحق – سبحانه وتعالى – يريد أن يلفت أنظارنا إلى المتقابلات في الخلق حتى لا نظن أن الخلق يسير برتابه.
فسيدنا موسى – عليه السلام – ضرب البحر بالعصا، فتجمد فيه الماء حتى صار كالجبل، وضرب بها الحجر فانبجس منه الماء.
إنها طلاقة القدرة التي لا تعتمد على الأسباب، فالمسبب هو الله سبحانه يفعل ما يشاء، فليست الأشياء بأسبابها، إنما بمراد المسبب فيها ؛ لذلك يقول أحمد شوقي في قصيدة النيل :
من أي عهد في القرى تتدفق***وبأي كف في المدائن تغدق
ومن السماء نزلت أم على***الجنان جداولا تترقرق
إلى أن تقول :
الماء تسكبه فيصبح عسجدا ٤***والأرض تغرقها فيحيا المغرق
والمأخوذ هنا هم المكذبون لنوح – عليه السلام – الذين ظلموا أنفسهم لما كذبوا رسولهم، ولم يستمعوا للهدى، ثم ينجى الله نوحا – عليه السلام – بالسفينة التي قال عنها في سورة هود : وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها.. ٤١ [ هود ]
وقد أمره الله بصناعة السفينة : واصنع الفلك بأعيننا ووحينا ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون٣٧ [ هود ] فكان نوح – عليه السلام – على علم بعاقبة المكذبين الظالمين من قومه، واحتفظ بها في نفسه، وهو يصنع السفينة كما أمره ربه.
لكن، أكانت السفينة شيئا معروفا لهؤلاء القوم، ولها مثقال سابق لديهم ؟ لا، لم يكونوا يعرفون السفن، بدليل أنهم تعجبوا من فعل نوح، وسخروا منه وهو يصنعها وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه.. ٣٨ [ هود ] فكان يرد عليهم في نفسه : إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون٣٨ [ هود ] فهو يعلم عاقبتهم وما يبيته الله لهم.
والحق سبحانه يعطينا هذه اللقطة من قصة نوح – عليه السلام – لكي نجول في كل اللقطات، ونستحضر مواطن العبرة فيها، وفي قصة نوح مسائل كثيرة نستفيدها، فقد كان القوم يعبدون الأصنام : ودا، وسواعا، ويغوث، ويعوق، ونسرا، ومنها نعلم أن ودادة الأنبياء ودادة قيم ومنهج، وودادة أعمال واقتداء، وأن أنسابهم أنساب تقوى وورع.
فنبوة نوح لم تمنع ولده الضال من الغرق، حتى بعد أن دعا الله : رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق.. ٤٥ [ هود ] فيعطيه الله الحكم في هذه المسألة، ويصحح له : إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح.. ٤٦ [ هود ]
وليس معنى ذلك أن أمة أتت به من الحرام والعياذ بالله ؛ لأن الله تعالى ما كان ليدلس على نبي من أنبيائه، إنام هي كانت من الخائنين، وخيانتها أنهاكانت تفشي أسراره لخصومه، وتختبرهم خبره ؛ لذلك يقول تعالى عنها في سورة التحريم : ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط.. ١٠ [ التحريم ]
يبين الحق سبحانه العلة في قوله : إنها ليس من أهلك.. ٤٦ [ هود ]بقوله إنه عمل غير صالح.. ٤٦ [ هود ] حتى لاتذهب بنا الظنون في زوجة نبي الله، فالعلة أنه عمل غير صالح، وبنوة الأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب.

١ أخرج ابن أبي الدنيا في كتاب ((ذم الدنيا)) (ص٨٨ مكتبة القرآن) عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء ملك الموت إلى نوح عليه السلام. فقال: يا أطول النبيين عمرا، كيف وجدت الدنيا ولذتها؟ قال: كرجل دخل بيتا له بابان، فوقف وسط الباب هنيهة، ثم خرج من الباب الآخر. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) (٦/٤٥٦)..
٢ أورده البيهقي في دلائل النبوة(٢/١٦٤) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما عتم منه حين ذكرته وما تردد فيه)) وعزاه لابن إسحاق..
٣ قال القرطبي في تفسيره (٧/٥٢٢٢): فإن قيل: فلم قال: ألف سنة إلا خمسين عاما.. ١٤[العنكبوت] ولم يقل: تسعمائة وخمسين عاما، ففيه جوابان:
أحدهما: أن المقصود به تكثير العدد، فكان ذكره الألف أكثر في اللفظ، وأكثر في العدد.
الثاني: ما روي أنه أعطي من العمر ألف سنة، فوهب من عمره خمسين سنة لبعض ولده، فلما حضرته الوفاة رجع في استكمال الألف، فذكر الله تعالى ذلك تنبيها على أن النقيصة كانت من جهته))..

٤ العسجد: الذهب. وقيل: هو اسم جامع للجوهر كله من الدر والياقوت [لسان العرب – مادة: عسجد]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير