ﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ

ثم يذكر الحق سبحانه إبراهيم عليه السلام، فيقول :
{ وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذالكم
خير لكم إن كنتم تعلمون١٦ }
الواو هنا لعطف الجمل، فالآية – معطوفة على ولقد أرسلنا نوحا.. ١٤ [ العنكبوت ] إذن : فنوح وإبراهيم واقعتان مفعولا به للفعل أرسلنا١، وللسائل أن يسأل : لماذا لم تنون إبراهيم كما نويت نوح ؟ لم تنون كلمة إبراهيم ؛ لأنها اسم ممنوع من الصرف – أي من التنوين – لأنه اسم أعجمي.
ونلحظ في هذه المسألة أن جميع أسماء الأنبياء أسماء أعجمية تمنع من الصرف، ما عدا الأسماء التي تبدأ بهذه الحروف ( صن شمله ) وهي على الترتيب : صالح، نوح، شعيب، محمد، لوط، هود. فهذه الأسماء مصروفة منونة، عليهم جميعا الصلاة والسلام.
والمعنى : وإبراهيم.. ١٦ [ العنكبوت ] يعني : واذكر إبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه.. ١٦ [ العنكبوت ] وقلنا : العبادة أن يطيع العابد المعبود في أوامره ونواهيه، إذن : لو جاء من يدعي الألوهية، وليس له أمر نؤديه، أو نهى نمتنع عنه فلا يصلح إلها.
لذلك كذب الذين قالوا : ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.. ٣ [ الزمر ] لأنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأنها ليست لها أوامر ولا نواه، فألوهيتهم ( منظرية ) بلا تكليف، فأول الأدلة على بطلان عبادة هذه الآلهة المدعاة أنها آلهة بلا منهج.
ثم عطف الأمر واتقوه.. ١٦ [ العنكبوت ] على اعبدوا.. ١٦ [ العنكبوت ]والتقوى من معانيها أن تطيع الأوامر، وتجتنب النواهي، فهي مرادفة للعبادة، لكن إن عطفت على العبادة فتعني : نفذوا الأمر لتتقوا غضب الله، اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال وقاية.
وسبق أن قلنا : إن لله تعالى صفات جلال : كالقهار، والجبار، المنتقم، المذل.. إلخ، وصفات جمال : كالغفار، الرحمن، الرحيم، التواب. وبالتقوى تنال متعلقات صفات الجمال، وتمنع نفسك وتحميها من متعلقات صفات الجلال.
وقوله تعالى : ذالكم خير إن كنتم تعلمون١٦ [ العنكبوت ] ذالكم : أي ما تقدم من الأمر بالعبادة والتقوى خير لكم، فإن لم تعلموا هذه القضية فلا خير في علمكم، كما قال تعالى : ولكن أكثر الناس لا يعلمون٦ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا.. ٧ [ الروم ]
فالعلم الحقيقي هو العلم بقضايا الآخرة، العلم بالأحكام وبالمنهج الذي يعطيك الخير الحقيقي طويل الأمد على خلاف علم الدنيا فإن نلت منه خيرا، فهو خير موقوت بعمرك فيها.
وسبق أن قلنا : إن العلم هو إدراك قضية كونية تستطيع أن تدلل عليها، وهذا يشمل كل معلومة في الحياة. أي : العلم المادى التجريبي وآثار هذا العلم في الدنيا، أما العلم السامي الأعلى فأن تعلم المراد من الله لك، وهذا للآخرة.
واقرأ في ذلك مثلا قوله تعالى :
ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد٢ بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب٣ سود٢٧ ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور٢٨
[ فاطر ]
فذكر سبحانه علم النبات والجماد و من الناس.. ٢٨ [ فاطر ] أي : علم الإنسانيات والدواب.. ٢٨ [ فاطر ] علم الحيوان، وهكذا جمع كل الأنواع والأجناس، ثم قال سبحانه : إنما يخشى الله من عباده العلماء.. ٢٨ [ فاطر ] مع أنه سبحانه لم يذكر هنا أي حكم شرعي.
إذن : المراد هنا العلماء الذين يستنبطون قضية يقينية في الوجود، كهذه الاكتشافات التي تخدم حركة الحياة، وتدل الناس على قدرة الله، وبديع صنعه تعالى، وتذكرهم به سبحانه.
وتأمل في نفسك مثلا وضع القصبة الهوائية بجوار البلعوم، وكيف أنك لو شرقت بنصف حبة أرز لا تستريح إلا بإخراجها، وتأمل وضع اللهاة وكيف تعمل تلقائيا دون قصد منك أو تحكم فيها.
تأمل الأهداف في القصبة الهوائية، وكيف أنها تتحرك لأعلى تخرج ما يدخل من الطعام لو اختل توازن اللهاة، فلم تحكم سد القصبة الهوائية أثناء البلع.
تأمل حين تكون جالسا مطمئنا لا يقلقك شيء، ثم في لحظة تجد نفسك محتاجا لدورة المياه، ماذا حدث ؟ ذلك لأن في مجرى الأمعاء ما يشبه ( السقاطة ) التي تخرج الفضلات بقدر، فإذا زادت عما يمكن لك تحمله، فلا بد من قضاء الحاجة والتخلص من هذه الفضلاة الزائدة.
تأمل الأنف وما فيه من شعيرات في مدخل الهواء ومخاط بالداخل، أنها جعلت هكذا لحكمة، فالشعيرات تحجر ما يعلق بالهواء من الغبار، ثم يلتقط المخاط الغبار الدقيق الذي لا يعلق بالشعيرات ليدخل الهواء الرئتين نقيا صافيا، تأمل الأذن من الخارج وما فيها من تعاريج مختلفة الاتجاهات، لتصد الهواء، وتمنعه من مواجهة فتحه الأذن.
والآيات في جسم الإنسان كثيرة وفوق الحصر، ولا سبيل إلى معرفتها إلا باستنباط العلماء لها، وكشفهم عنها، وهذا من نشاطات الذهن البشري، أما العلم الذي يخرج عن نطاق الذهن البشري فهو نازل من أعلى، وهو قانون الصيانة الذي جعله الخالق سبحانه لحماية الخلق، فالذي يأخذ بالعلم الدنيوي التجريبي فقط يحرم من الخير الباقي، لأن قصارى ما يعطيك علم المادة في البشر أن يرفه حياتك المادية، أما علم الآخرة فيرفه حياتك الدنيا ويبقى لك في الآخرة.
إذن : فقوله تعالى : ذلكم خير لكم.. ١٦ [ العنكبوت ]أي : قانون الصيانة الرباني بافعل كذا ولا تفعل كذا، وإياك أن تنقل مدلول ( افعل ) في ( لا تفعل ) أو مدلول ( لا تفعل ) في ( افعل )، وقد شبهنا هذا القانون ( بالكتالوج ) الذي يجعله الصانع لحماية الصنعة المادية لتؤدي مهمتهما على أكمل وجه، كذلك منهج الله بالنسبة للخلق، فإن لم تعلموا هذه القضية فلن ينفعكم علم بعد ذلك.
يقول سبحانه : من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب٢٠ [ الشورى ]
إذن : فالخير الباقي هو الخير في الآخرة.

١ سبب نصب كلمة إبراهيم في الآية له ثلاثة أقوال ذكرها القرطبي في تفسيره (٧/٥٢٢٤):
قال الكسائي: منصوب بـ ((أنجينا)) يعني أنه معطوف على الهاء.
وأجاز الكسائي أن يكون معطوفا على نوح، والمعنى: وأرسلنا إبراهيم.
وقول ثالث: أن يكون منصوبا بمعنى: واذكر إبراهيم..

٢ الجدة من الجبل: القطعة منه. والجدة من الشيء: الجزء منه يخالف لونه لون سائره. قال تعالى: ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود٢٧ [فاطر] أي: من الجبال أجزاء ذات ألوان مختلفة.[القاموس القويم ١/١١٨]..
٣ الغرابيب: جمع غريب، وهو الشديد السود.[القاموس القويم ٢/٥٠]..

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير