والله تعالى سميع لعباده إذا طلبوا منه الرزق، يسمع ويجيب، عليم إن سكتوا، لا تخفى عليه حاجتهم ولا مقدار حاجتهم.
اعتراف المشركين بالإله الخالق الرازق المحيي
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣)
البلاغة:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ وَيَقْدِرُ بينهما طباق.
المفردات اللغوية:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ اللام: لام القسم، والسؤال للكفار من أهل مكة وأمثالهم. لَيَقُولُنَّ اللَّهُ لما تقرر في العقول من وجوب انتهاء الممكنات إلى واحد واجب الوجود. فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي فكيف يصرفون عن توحيده بعد إقرارهم بذلك. يَبْسُطُ يوسع لمن يشاء امتحانا.
وَيَقْدِرُ يضيق لمن يشاء ابتلاء. إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ يعلم مصالحهم ومفاسدهم، ومنها محل البسط والتضييق.
نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً.. لَيَقُولُنَّ اللَّهُ هذا اعتراف منهم بأن الله الموجد للممكنات بأسرها أصولها وفروعها، فكيف يشركون به بعض مخلوقاته الذي لا يقدر على شيء من ذلك. الْحَمْدُ لِلَّهِ على ما عصمك من هذه الضلالة، وعلى تصديقك وإظهار حجتك عليهم. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ تناقضهم في ذلك، إنهم يتناقضون حيث يقرون بأنه المبدئ لكل ما عداه، ثم يشركون به الصنم.
المناسبة:
بعد بيان أمر المشركين ومطالبهم التعجيزية وسوء أعمالهم، ثم مخاطبة المؤمنين بقوله تعالى: يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا
ذكر تعالى ما يكون إرشادا للمشرك إذا فكر وتأمل، بأسلوب أدبي رفيع تضمن نصح المفسد أولا، ثم مخاطبة الرشيد، ليسمع المفسد، على طريقة: (إياك أعني واسمعي يا جارة)، وكأن المتكلم يقول: إن هذا لا يستحق الخطاب، فاسمع أنت، ولا تكن مثل هذا المفسد، فيتضمن هذا الكلام نصيحة المصلح، وزجر المفسد، ودعوته إلى سبيل الرشاد، وهو الإقرار بوحدانية مبدع العالم، وخالق السماء والأرض وما فيهما، ورازق المخلوقات، ومحيي الأرض بعد موتها.
التفسير والبيان:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ، لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ، فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ أي والله لئن سألت يا محمد المشركين بالله: من الذي أوجد وأبدع السموات وما فيها من الكواكب النيّرات، والأرض وما حوته من كنوز ومعادن، وذلّل الشمس والقمر يجريان لمصالح الخلق، وأدى ذلك إلى تعاقب الليل والنهار، لو سألتهم لأجابوا بأن المستقل بالخلق والإيجاد هو الله عز وجل.
وإذ أقروا بذلك واعترفوا، فكيف يصرفون عن توحيد الله وإخلاص العبادة له؟! فإن الاعتراف بأن الله هو الخالق يمنع المشركين من عبادة إله آخر سواه، أو اتخاذ شريك معه، والاعتراف بتوحيد الربوبية الصادر من المشركين بقولهم: «لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك» يقتضي الإقرار بتوحيد الألوهية، وكثيرا ما يذكر الله تعالى توحيد الألوهية بعد الاعتراف بتوحيد الربوبية.
وبعد الاعتراف بالخلق، ذكر تعالى ما هو سبب لدوام الحياة، وبقاء المخلوقات وهو الرزق، فقال:
اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ، إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ أي إن الله يوسع الرزق لمن يريد من عباده امتحانا له، ويضيق أو يقتّر على من يريد ابتلاء واختبارا، فالله هو الخالق الرازق لعباده، يقسم وحده الأرزاق على وفق الحكمة ومقتضى المصلحة، لأن الله عليم بكل شيء من المفاسد والمصالح، ومقتضيات سعة الرزق وتضييقه، فيمنح ويمنع، بما هو الأصلح وما هو خير لعباده في الحالين، ويحصل التفاوت بين الناس في الأرزاق، ويكون هناك الغني والفقير، والله هو العليم بما يصلح كلّا منهم، ومن يستحق الغنى ممن يستحق الفقر، كما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات ٥١/ ٥٨] وقال تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ، لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ، وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ، إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ [الشورى ٤٢/ ٢٧].
ثم ذكر تعالى سبب الرزق وهو إنزال الماء، فقال:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً، فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها، لَيَقُولُنَّ: اللَّهُ أي ومن الحقائق الثابتة أنك لو سألتهم أيضا عمن ينزل المطر من السحاب، فيحيي به الأرض الجدباء الهامدة التي لا حركة فيها بالنبات الأخضر، لأجابوك بأنه هو الله المبدع الموجد لكل المخلوقات، ثم يتعجب الإنسان من إشراكهم بعد ذلك بعض مخلوقاته.
قُلِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ أي قل يا محمد: الحمد لله على ثبوت الحجة عليهم، واعترافهم بأن الله مصدر جميع النعم، ولكن أكثر هؤلاء المشركين لا يعقلون هذا التناقض الحاصل منهم، فتراهم يقولون بأن الخالق الموجد المحيي الرازق هو الله، ثم يقولون بألوهية غير الله، فيخالف فعلهم أقوالهم
وإقراراتهم، ويعبدون مع الله إلها آخر سواه ليست له مقومات الألوهية، ولا يدركون ما فيه الخير والمصلحة ودفع الضر عنهم.
فقه الحياة أو الأحكام:
أرشدت الآيات إلى ما يأتي:
١- يقر المشركون بأمرين أساسيين:
أولهما- أن الله هو الخالق المبدع المستقل بخلق السموات والأرض والشمس والقمر وتسخير الليل والنهار.
وثانيهما- أن الله هو الخالق الرازق لعباده، المحيي الأرض بالماء النازل من السحاب، فتصبح الأرض مخضرة بعد جدبها وقحط أهلها.
٢- ثم في مجال الأفعال ترى المشركين متناقضين مع أنفسهم، فهم يقرون بوجود الله، ثم يشركون معه إلها آخر من مخلوقاته.
٣- وإذا اعترفتم بأن الله خالق كل الأشياء في السماء والأرض، فكيف تشكّون في الرزق؟ فمن بيده تكوين الكائنات لا يعجز عن رزق العباد، وكيف تكفرون بتوحيد الله، وتتحولون عن إخلاص العبادة لله؟
وإذا أقررتم بأن الله يحيي الأرض الجدبة، فلم تشركون به وتنكرون الإعادة؟ ومن قدر على ذلك فهو القادر على إغناء المؤمنين.
٤- لا يختلف أمر الرزق بالإيمان والكفر، فالتوسيع والتقتير من الله، فلا تعيير بالفقر، فكل شيء بقضاء وقدر، والله عليم بكل شيء من أحوال العباد وأمورهم، وبما يصلحهم من إقتار أو توسيع.
٥- يستحق الله الحمد على ما أوضح من الحجج والبراهين على قدرته وعلى
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي