( وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمة الله هم فيها خالدون ) المراد برحمة الله تعالى هنا أثرها من نعمته وإحسانه ولا شك أن من ابيضت وجوههم بما تقدم شرحه يكونون خالدين في النعمة بالدنيا ما داموا على تلك الحال والأعمال التي بها ابيضت وجوههم، لأن الله تعالى لا يغير ما بقوم من نعمة حتى يغيروا ما بأنفسهم، فيترتب عليه التغير في الأعمال. وترتيب الخلود هنا على قوله :( ابيضت وجوههم ) يؤذن بأن ابياض الوجوه وما كان سببا فيه علة له والمعلول يدوم بدوام علته. وأما أمر الخلود في الآخرة فهو أظهر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:ومن مباحث اللفظ والنظم في الآيات أنه جعل النشر في آية ( يوم تبيض وجوه ) الخ على غير ترتيب اللف، إذ ذكر في اللف الابيضاض قبل الاسوداد وذكر في النشر حكم من اسودت وجوههم قبل حكم من ابيضت وجوههم. وليس اللف والنشر الذي يسمونه المرتب أبلغ مما يسمونه المشوش، وإنما يختلف ذلك باختلاف الكلام فلا يرجح أحدهما على الآخر إلا بمرجح. وقد قيل إن نكتة الترجيح هنا جعل مطلع الكلام ومقطعه في بيان حال المؤمنين وجزائهم، فوافق ذلك استحسان البلغاء جعلهما مما يسر ويشرح الصدر. وقيل إن نكتة ذلك بيان أن المقصود من الخلق الرحمة دون العذاب، ولذلك بدأ بذكر أهل الرحمة وختم بذكر جزائهم وأدمج ذكر الآخرين في الأثناء. والقول الأول ترجيح بحسب اللفظ والثاني ترجيح بحسب المعنى. ومما يقوى هذا أنه تعالى ذكر أن أهل الرحمة خالدون فيها ولم يذكر أن أهل العذاب خالدون فيه. نبه على هذا المعنى الرازي وبين أنه تعالى أضاف الرحمة إلى نفسه دون العذاب. وذكر علة العذاب وسببه وهو " بما كنتم تكفرون " ثم ذكر أنه لا يريد ظلما للعالمين قال " وهذا جار مجرى الاعتذار عن الوعيد بالعقاب وكل ذلك مما يشعر بأن جانب الرحمة مغلب ". فيا ويل المتفرقين المختلفين المتعادين في دين الرحمة الذي يأخذ بحجزهم أن يتقحموا في العذاب وهم يتهافتون عليهم بجهلهم وسوء اختيارهم.