لمَّا رغَّب المسلمين في تَرْك الالتفات إلى أقوال الكُفَّار وأفعالهم بقوله: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ [آل عمران: ١١٠]، رغَّبهم - أيضاً - من وَجْه آخر، وهو أنه لا قُدْرَةَ لهم على إضرار المسلمين، إلا بالقليل من القول الذي لا عبرة به، ولو أنهم قاتلوا المسلمين لانهزمت الكفار، فلذلك لا يلتفت إلى أقوالهم وأفعالهم.
قال مقاتل: إن رؤوس اليهود عمدوا إلى مَنْ آمن منهم - عبد الله بن سلام وأصحابه - فآذَوْهم، فنزلت هذه الآية.
قوله: إِلاَّ أَذًى فيه وجهان:
أحدهما: أنه متصل، وهو استثناء مفرَّغ من المصدر العام، كأنه قيل: لن يضروكم ضرراً ألبتة إلا ضرر أذى لا يبالى به - من كلمة سوء ونحوها - إمَّا بالطعن في محمد وعيسى - عليهما السلام - وَإمَّا بإظهار كلمة الكفر - كقولهم: عيسى ابنُ الله، وعُزَيْر ابن الله، وإن الله ثالث ثلاثة، وإما بتحريف نصوص التوراة والإنجيل، وإما بتخويف ضعفةِ المسلمين.
الثاني: أنه منقطع، أي: لن يضروكم بقتال وغَلَبَة، لكن بكلمة أذًى ونحوها.
قال بعض العلماء: وهذا بعيد، لأن الوجوه المذكورة توجب وقوع الغَمِّ في قلوب المسلمين، والغم ضرر. فالتقدير: لا يضروكم إلا الضرر الذي هو الأذى، فهو استثناء صحيح، والمعنى: لا يضروكم إلا ضَرَراً يَسِيراً.
قوله: وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأدبار هذا إخْبار بأنهم لو قاتلوا المسلمين لانهزموا، وخُذلوا، ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ أي: إنهم بعد صيرورتهم منهزمين لا يحصل لهم شوكة، ولا قوة - ألبتة -، ونظيره قوله تعالى: وَلَئِن قُوتِلُواْ لاَ يَنصُرُونَهُمْ وَلَئِن نَّصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأدبار [الحشر: ١٢]، وقوله: قُلْ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ المهاد [آل عمران: ١٢]، وقوله: نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر [القمر: ٤٤ - ٤٥]، وكل ذلك وَعْد بالفتح، والنصر، والظفر، وهذه الآية اشتملت على الإخبار عن غيوب كثيرة.
منها: أن المؤمنين آمنون من ضررهم.
ومنها: أنهم لو قاتلوا المؤمنين لانهزموا.
ومنها: أنه لا يحصل لهم شوكة بعد الانهزام.
وكل هذه الأخبار وقعت كما أخبر الله عنها، فإن اليهود لم يقاتلوا إلا انهزموا، وما أقدموا على محاربة، وطلب رئاسة إلا خُذِلوا، وكل ذلك إخبار عن الغيب، فيكون معجزاً.
فإن قيل: هَبْ أن اليهودَ كذلك، لكن النصارى ليسوا كذلك، وهذا يقدح في صحة هذه الآيات.
فالجواب: أنها مخصوصة باليهود، لما رُوِيَ في سبب النزول.
وقوله: ثُمَّ لاَ يُنْصَرُونَ كلام مستأنف.
فإن قيل: لِمَ كان قوله: ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ مستأنفاً، ولم يُجْزَم، عطفاً على جواب الشرط؟
فالجواب: أنه لو جُزِم لتغيَّر المعنى؛ لأن الله - تعالى - أخبرهم بعدم نُصْرَتهم - مطلقاً - فلو عطفناه على جواب الشرط لزم تقييده بمقاتلتهم لنا، بينما هم غير منصورين مطلقاً - قاتلوا، أو لم يقاتلوا.
وزعم بعضهم أن المعطوف على جواب الشرط ب «ثم» لا يجوز جزمه ألبتة، قال: لأن المعطوف على الجواب جواب، وجواب الشرط يقع بعده وعقيبه، و «ثم» يقتضي التراخي، فكيف يتصور وقوعه عقيب الشرط؟ فلذلك لم يُجْزَم مع «ثم».
وهذا فاسد جدًّا؛ لقوله تعالى: وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم [محمد: ٣٨]، ف «لا يكونوا» مجزوم نسقاً على «يستبدل» الواقع جواباً للشرط، والعاطف «ثُمَّ».
و «الأدبار» مفعول ثان لِ «يُوَلُّوكُمْ» ؛ لأنه تعدَّى بالتضعيف إلى مفعولٍ آخَرَ.
فإن قيل: ما الذي عطف عليه قوله: لاَ يُنصَرُونَ ؟
فالجواب: هو جملة الشرط والجزاء، كأنه قيل: أخبركم أنهم إن يقاتلوكم ينهزموا، ثم أخبركم أنهم لا يُنصرون. وإنما ذكر لفظ «ثُمَّ»، لإفادة معنى التراخي في
المرتبة، لأن الإخبار بتسليط الخذلان عليهم أعظم من الإخبار بتوليتهم الأدبار.
قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ يعني: أن الذلة جُعِلَتْ ملصَقَة، بهم، كالشيء الذي يُضرب على الشيء فيلصق به، ومنه قولهم: ما هذا عليَّ بضربة لازب ومنه تسمية الخراج ضريبة. والذلة: هي الذل، وفي المراد بها أقوال.
فقيل: إنها الجزية؛ وذلك؛ لأن ضَرْب الجزية عليهم يوجب الذلة والصَّغَار.
وقيل: أن يُحارَبُوا، ويقْتَلوا، وتقسَّم أموالُهم، وتُسْبَى ذَراريهم، وتُملك أراضيهم - كقوله: واقتلوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُم [البقرة: ١٩١]، ثم قال تعالى: إِلاَّ بِحَبْلٍ مِّنْ الله والمراد: إلاَّ بعهد من الله، وعِصْمة، وذمام من الله ومن المؤمنين؛ لأن عند ذلك تزول هذه الأحكام.
وقيل: إن المراد بها أنك لا ترى فيهم ملكاً قاهراً ولا رئيساً معتبراً، بل هم مُسْتَخْفُون في جميع البلاد، ذليلون، مهينون.
قوله: أَيْنَ مَا ثُقِفُوا، «أيْنَمَا» اسم شرط، وهي ظرف مكان، و «ما» مزيدة فيها، ف «ثُقِفُوا» في محل جزم بها، وجواب الشرط إما محذوف - أي: أينما ثُقِفُوا غلبوا وذُلّوا، دلَّ عليه قوله: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ، وإما نفس «ضُرِبَتْ»، عند مَنْ يُجيز تقديم جواب الشرط عليه، ف ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لا محل له - على الأول، ومحله جزم على الثاني.
قوله: إلاَّ بِحَبْلٍ هذا الجار في محل نَصْب على الحال، وهو استثناء مفرَّغ من الأحوال العامة.
قال الزمخشري: «وهو استثناء من أعَمِّ عامّة الأحوال، والمعنى: ضُرِبَتْ عليهم الذلة في عامة الأحوال، إلا في حال اعتصامهم بحبل الله، وحبل الناس، فهو استثناء متصل».
قال الزجّاج والفرَّاء: هو استثناء منقطع، فقدره الفراء: إلا أن يعتصموا بحبل من الله، فحذف ما يتعلق به الجار.
كقول حميد بن ثور الهلالي: [الطويل]
| ١٥٧٤ - رَأتْنِي بِحَبْلَيْهَا، فَصَدَّتْ مَخَافَةً | وَفِي الْحَبْلِ رَوْعَاءُ الْفُؤَادِ، فَرُوقُ |