قوله : وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ .
قرأ الأخوان وحَفْص :" يَفْعَلُوا " و " يُكْفروهُ " – بالغيبة-.
والباقون بالخطاب. ١
الغيب مراعاة لقوله : مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ ، فجرى على لفظ الغيبة، أخبرنا - تعالى - أن ما يفعلونه من خير يبقى لهم غير مكفور ؛ وقراءة الباقين بالتاء الرجوع إلى الخطاب لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في قوله : كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ .
ويجوز أن يكون التفاتاً من الغيبة في قوله : أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ إلى آخره ؛ إلى خطابهم، وذلك أنه آنسهم بهذا الخطاب، ويؤيد ذلك أنه اقتصر على ذكر الخير دون الشر ؛ ليزيد في التأنيس. ويدل على ذلك قراءة الأخوين ؛ فإنها كالنص في أن المراد قوله : أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ .
فصل
اعلم أن اليهودَ لما قالوا لعبد الله بن سلام وأصحابه : إنكم خسرتم بسبب إيمانكم، قال الله تعالى : بل فازوا بالدرجات العُظْمَى، فالمقصود تعظيمهم ؛ ليزول عن قلبهم أثر كلام أولئك الجهال، وهذا وإن كان لفظه - على قراءة الغيبة - لمؤمني أهل الكتاب، فسائر الخلق يدخلون فيه نظراً إلى العلّة.
أما على قراءة المخاطبة فهذا ابتداء خطاب لجميع المؤمنين - ونظيره قوله : وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ [ البقرة : ١٩٧ ]، وقوله : وَمَا تُنْفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ [ البقرة : ٢٧٢ ]، وقوله : وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ [ المزمل : ٢٠ ]، ونقل عن أبي عمرو : أنه كان يقرأها بالقراءتين٢.
وسُمِّيَ منع الجزاء كفراً لوجهين :
الأول : أنه - تعالى - سَمَّى إيصال الجزاء شُكْراً، فقال : فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [ البقرة : ١٥٨ ]، وسمى منعه كفراً.
الثاني : أن الكفر - في اللغة - : الستر. فسمي منع الجزاء كُفْراً ؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ والستر.
فإن قيل :" شكر " و " كفر " لا يتعديان إلا إلى واحد، يقال : شكر النعمة، وكفرها - فكيف تعدّى - هنا - لاثنين أولهما قام مقام الفاعل، والثاني : الهاء في " يكفروه " ؟.
فقيل : إنه ضُمِّن معنى فعل يتعدى لاثنين - كحرم ومنع، فكأنه قيل : فلن يُحْرَموه، ولن يُمْنَعُوا جزاءه.
ثم قال : وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ واسم " الله " يدل على عدم العجز، والبخل، والحاجة ؛ لأنه إله جميع المحدثات، وقوله :" عَلِيمٌ " يدل على عدم الجَهْل، وإذا انتفت هذه الصفاتُ، امتنع المنع من الجزاء ؛ لأن منعَ الحق لا بد وأن يكون لأحد هذه الأمور.
وقوله : بِالمُتَّقِينَ - مع أنه عالم بالكلِّ - بشارة للمتقين بجزيل الثواب.
٢ انظر: السابق..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود