و لن تكفروه أي : لن تحرموه، وعدي كفر إلى مفعولين لتضمنه معنى حرم أو منع.
ولذلك قال : وما يفعلوا من خير فلن يُكفروه أي : فلن تحرموا ثوابه. ولن تجحدوا جزاءه، بل يشكره لكم ويجزيكم عليه، سَمى الحرمان كفراناً كما سمى العطاء شكراً. والله عليهم بالمتقين ؛ فلا يخفى عليه مقاماتهم في التقوى، وفيه إشعار بأن التقوى مبدأ الخير وأحسن الأعمال، وأن الفائزين عند الله هم أهل التقوى. رزقنا الله منها الحظ الأوفر بمنِّه. آمين.
الإشارة : ليس أهل العلم سواء، بل منهم من جعله شبكةً يصطاد به الدنيا، يبيع دينه بعرض قليل، وهم علماء السوء وقضاة الجور، ومنهم من قرأه لله وعلَّمه لله، فأفنى عُمره في تعليمه وتقييده، ومنهم من صرف همته إلى جمعه وتأليفه، ومنهم من صرف همته إلى العمل به فالتحق بالعباد والزُّهاد، يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون ومنهم من حرره وحققه، ثم توجه إلى علم الباطن وصحب العارفين، فكان من المقربين، فهؤلاء كلهم يسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين ، فيقال لهم : وما يفعلوا من خير فلن يُكفره والله عليم بالمتقين .
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي