(وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (١١٥)
* * *
في هذا النص الكريم بيان أن الله تعالى يحتسب ما يفعلون من خير، ويثيبهم عليه، و " ما " هنا شرطية، ولذا جزم الفعل بعدها، و " مِن " هنا تفيد العموم، أي: إن يفعلوا أي خير قليلا كان أو كثير فلن يحرموا ثوابه، وقد أكد احتسابه بـ " لن "، لأن النفي بـ " لن " يفيد التوكيد، و " كَفَرَ " بمعنى ستر، وهي لَا تتعدى إلى مفعولين، ولكن لتضمنها معنى " حرم " تعدت إلى مفعولين، ويقول في ذلك الزمخشري: " فإن قلت: لم عدى إلى مفعولين وشكر وكفر لَا يتعديان إلا إلى واحد، تقول: شكر النعمة وكفرها؟
(قلت): ضمن معنى الحرمان فكأنه قيل فلن يحرموه، بمعنى فلن يحرموا جزاءه " وفى حذف هذا المضاف وهو الجزاء إشارة إلى أن الجزاء ثمرة الفعل دائما، وأن عمل العامل خيرا أو شرا يتضمن كسب الجزاء إن خيرا أو شرا، وذلك بالنسبة للثواب تَفَضّل من الله تعالى دائما.
وفى هذا النص الكريم إشارة إلى أن النية الطيبة في الخير مع سلامة العقيدة ونزاهة النفس تجعل العمل طيبا مرجو الثواب دائما، لأن الأساس دائما تقوى القلوب، ولذا قال تعالى في تذييل الآية: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمتَّقِينَ).
وفى هذا التذييل الكريم إشارات إلى أمور ثلاثة:
أولها: أن تقوى القلوب هي أساس لكل خير، وهي المجنب من كل شر.
والثاني: أن التقوى إذا كانت شأنا من شئون النفس، صار الشخص لا يوصف إلا بأنه من المتقين، وصار عمل الخير كسجية له من السجايا.
والثالث: أن الله عليم بكل ما تخفيه القلوب وهو يجزي بما يعلم، اللهم وفقنا لتقواك، وأنِرْ بصيرتنا، وطهر قلوبنا من رجس الهوى، إنك سميع الدعاء.
* * *
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦) مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)
* * *
بعد أن بين سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أعمال الكافرين، أشار إلى مبعث جحودهم، وهو اغترارهم بأموالهم وأولادهم، واعتزازهم بما يملكون من
حطام الدنيا وما فيها، وقد أشار إلى هذه الأموال وأولئك الأولاد ببيان أنها لن تغني عنهم من الله شيئا، ولذا قال سبحانه:
صفحة رقم 1372زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة