ﭑﭒﭓﭔﭕﭖ

قوله : وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ التمحيص : التخليص من الشيء.
وقيل : المَحْص كالفَحْص، لكن الفَحْص يقال في إبراز الشيء من أثناء ما يختلط به وهو منفصل، والمَحْص : يقال في إبرازه عما هو متصل به، يقال : مَحَصْتُ الذهب، ومحَّصته - إذا أزلْت عنه ما يشوبه من خَبَث، ومَحَص الثوب : إذا زال عنه زئبره ومَحَصَ الحَبْل - إذا أخلق حتى ذهب عنه زئبره، ومحص الظَّبْيُ : عدا. ف " محص " - بالتخفيف - يكون قاصراً ومتعدياً، هكذا روى الزجاج هذه اللفظةَ - الحبل - ورواها النقاش : مَحَص الجمل - إذا ذهب وَبَرُه وامَّلَسَ - والمعنيان واضحان.
وقال الخليل : التمحيص : التخليصُ من الشيء المعيب.
وقيل : هو الابتلاء والاختبار.
قال الشاعر :[ الطويل ]
رَأيْتُ فُضَيْلاً كَانَ شَيْئاً مُلَفَّفاً *** فَكَشَّفَهُ التَّمْحِيصُ حَتَّى بَدَا لِيَا(١)
وروى الواحِديُّ عن المبرد بسند متصل : مَحَصَ الحبلُ يمحص مَحْصاً - إذا ذهب زئبره حتى يتملص، وحبل محيص ومليص بمعنًى واحدٍ، قال : ويستحب في الفرس أن تُمَحَّصَ قوائمُه أي : تُخَلَّص من الرَّهَل.
[ وأنشد ابن الأنباريّ على ذلك ] (٢) - يصف فرساً - :[ البسيط ]
صُمُّ النُّسُورِ، صِحَاحٌ، غَيْرُ عَاثِرَةٍ *** رُكِّبْنَ فِي مَحِصَاتٍ مُلْتَقَى العَصَبِ(٣)
أي : في قوائم متجرِّدات من اللحم، ليس فيها إلا العظم والجلد.
قال المبرد : ومعنى قول الناس مَحِّصْ عنا ذُنوبَنَا : أذهِب عنا ما تعلَّق من الذنوب.
قال الواحديُّ :" وهذا - الذي قاله المبردُ - تأويل المحَص - بفتح الحاء - وهو واقع، والمَحْص - بسكون الحاء - " مصنوع " - وقال الخليل : يقال : مَحَصْت الشيء أمحصه مَحْصاً - إذا أخلصته من كل عيب ".
وفي جعله محْصاً - بتسكين الحاء - مصنوعاً نظر ؛ لأن أهل اللغة نقلوه ساكنها، وهو قياس مصدر الثلاثي. ومَحَصْت السيف والسنان : جَلَوتُهما حتى ذهب صدأهما.
قال أسامة الهذليّ :[ الطويل ]
وَشَقُّوا بِمَمْحُوصِ السِّفَانِ فُؤادَهُ *** لَهُمْ قُتُرَاتٌ قَدْ بُنِيْنَ مَحَاتِد(٤)
أي : بمجلُوٍّ، ومنه استُعِير ذلك في وَصْف الحبل بالملاسة والبريق.
قال العجاج :[ الرجز ]
شَدِيدُ جَلْزِ الصُّلْبِ مَمْحُوصُ الشَّوَى *** كَالْكَرِّ، لا شَخْتٌ وَلاَ فِيهِ لَوَى(٥)
والشوى : الظهر، قَصَره ضرورةً، سُمِع : فعلتُه حتى انقطع شَوَاي، أي : ظَهْري. والمحق - في اللغة - النقصان.
وقال المفضَّل : هو أن يذهب الشيءُ كلُّه، حتَّى لا يُرَى منه شيء، ومنه قوله تعالى : يَمْحَقُ اللَّهُ الْرِّبَا [ البقرة : ٢٧٦ ] أي : يستأصله، وقد تقدم الكلام عليه في البقرة.
قال الزجاج : معنى الآية : أن الله تعالى جعل الأيام مداولةً بين المسلمين والكافرين، فإن حصلت الغلبة للكافرين كان المراد : تمحيص ذنوب المؤمنين - أي : تطهيرها - وإن كانت الغلبة للمؤمنين كان المراد : مَحْق آثار الكافرين، ومَحْوَهم، فقابل تمحيص المؤمنين بمحق الكافرين ؛ لأن تمحيص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم نظير مَحْق أولئك بإهلاك نفوسهم، وهذه مقابلة لطيفة، والأقرب أن المراد بالكافرين - هنا - طائفة مخصوصة منهم - وهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحُد، لأن الله تعالى لم يَمْحَق كل الكافرين، بل بَقِي كثير منهم على كُفره.

١ البيت لعبد الله بن معاوية. ينظر الكامل ١/١٨٣ واللسان (محص) وإرشاد الساري ٦/٢٩ وزاد المسير ٢/٤٦٧ ورغبة الآمل ٣/٢٤ والبحر المحيط ٣/٦٩ وتفسير غريب القرآن لابن قتيبة ص ١١٣ والدر المصون ٢/٢١٧..
٢ بدل ما بين المعكوفتين في ب: قال الشاعر..
٣ البيت لأبي دؤاد الإيادي –ينظر ديوانه (٢٨٥) والزاهر للأنباري ١/١٠٧ وأمالي القالي ٢/٣٠٥ والدر المصون ٢/٢١٧..
٤ ينظر البيت في ديوان الهذليين ٢/٢٠٦ وشرح أشعار الهذليين ٣/٣٠٠ وتاج العروس ٤/٤٣٤ واللسان (حتد) والدر المصون ٢/٢١٧..
٥ ينظر: البيت في اللسان (محص) وتهذيب اللغة ٤/٢٧١ وتاج العروس ٤٥٥/٤٣٤ والدر المصون ٢/٢١٨ ورواية البيت في الديوان هكذا:
شديد جلز الصلب معصوب الشوى ***....

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية