ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱ

المعنى الجملي : لا يزال الحديث مع من شهد أحدا من المؤمنين، فقد أرشدهم الله في الآيات السالفة إلى أنه لا ينبغي لهم أن يحزنوا أو يضعفوا، وأن ما أصابهم من المحنة و البلاء جار على سنن الله في خليقته من مداولة الأيام بين الناس، و فيه تمحيص لأهل الحق، فإن الشدائد محك الأخلاق، و فيه هدي و إرشاد و تسلية للمؤمنين حتى يتربوا على الصفات التي ينالون بها الفوز و الظفر في جميع أعمالهم.
و هنا أبان لهم أن سبيل السعادة في الآخرة منوط بالصبر الجهاد في سبيل الله، كما أن طريق السعادة في الدنيا يكون بإقامة الحق و سلوك طريق الإنصاف و العدل بين الناس فسنة الله هنا كسنته هناك.
تمنون الموت : أي تتمنون الشهادة في سبيل الله أن تلقوه أي تشاهدوا أهواله و تذوقوا مرارة كأسه رأيتموه أي رأيتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدتهم و أسلحتهم و كرهم و فرهم و مصاولتهم للفرسان و أنتم تنظرون أي تعاينونه و ترونه رؤية لا خفاء فيها كما تقول رأيته و ليس بعيني علة
ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه و أنتم تنظرون هذا خطاب لمن شهد من المسلمين وقعة أحد.
ذاك أن كثيرا من الصحابة و بعضهم لم يشهد بدرا- كانوا يلحون على الخروج إلى أحد حيث عسكر المشركون ليكون لهم يوم كيوم بدر و يتمنون أن يلقوا الأعداء و يصيبوا من الخير مثل ما أصاب أهل بدر.
فلما كان يوم أحد ولى منهم من ولى فعاتبهن الله على ذلك.
روي عن الحسن أنه قال : بلغني أن رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون : لئن لقينا مع النبي صلى الله عليه و سلم لنفعلن و لنفعلن فابتلوا بذلك فلا و الله ما كلهم صدق فأنزل الله عز وجل : ولقد كنتم تمنون الموت الآية
و معنى قوله : فقد رأيتموه أنكم شاهدتم أسبابه من ملاقاة الشجعان بعدتهم و أسلحتهم و كرهم و فرهم مشاهدة لا خفاء فيها و لا شبهة و كان لها الأثر العميق في نفوسكم.
و معنى تمني الموت الشهادة في سبيل الله و القتال لنصرة الحق و لو ذهبت نفوسكم دونه.
و صفوة القول : لقد كنتم تتمنون الموت قبل أن تلاقوا القوم في الميدان قد أنتم أولاء قد رأيتم ما كنتم تتمنونه و انتم تنظرون إليه لا تغفلون عنه فما بالكم دهشتم عندما وقع الموت فيكم و ما بالكم تحزنون و تضعفون عند لقاء ما كنتم تحبون و تتمنون و من الشيء و سعى إليه لا ينبغي أن يجزنه و يسوءه.
و في الآية الكريمة تنبيه لكل مؤمن إلى اتقاء الغرور بحديث النفس و التمني و التشهي و هديه إلى اختبار نفسه بالعمل الشاق و عدم الثقة منها بما دون الجهاد و الصبر على المكاره في سبيل الحق حتى يأمن الدعوة الخادعة التي يتوهم فيها أنه صادق فيما يدعي مع الغفلة أو الجهل بعجزه عنه.
و كثيرا ما يتصور بعض الناس أنه يحب ملته ووطنه و يفكر في خدمتهما و يتمنى لو يتاح له أن يساهم في تلك الخدمة بنفسه أو بماله حتى إذا احتيج إليه وجد من نفسه الضعف فأعرض عن العمل قبل الشروع أو بعد أن ذاق مرارته و كابد مشقته.
و لكن المؤمن حقا من وصل الأمر به إلى حد اليقين فيما يعتقد أنه حق و ذلك يستدعي العلم مهما كان شاقا و الجهاد مهما كان عسيرا و الصبر على المكاره و إيثار الحق على الباطل
و قد كان فيمن خوطبوا بهذه الآية جماعة ممن كانوا في المرتبة العليا من صدق الجهاد ة الصبر على المكاره و أولئك هم المجاهدون الدين ثبتوا مع النبي صلى الله عليه و سلم ثبات الجبال الراسيات و هم نحو ثلاثين رجلا لكنه جعل الخطاب عاما ليكون الإرشاد و النصح عاما للجميع فيتهم ذو المراتب العالية أنسهم بالتقصير فيزدادوا كمالا على كمالهم و يرعوى المقصرون و ينزعوا عن خداع أنفسهم لهم و هذا من التمحيص العظيم الذي له أجمل العواقب في تهذيب الأنفس و قد ظهر أثر ذلك في نفوس أولئك القوم فيما بعد و رباهم تربية كانت بها عزائمهم ماضية و هممهم صادقة فلم يهنوا و لم يضعفوا و لم يستكينوا فيما حاولوه من جسيم الأمور.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير