ﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

إن ينصركم الله فلا غالب لكم الكلام استئناف مسوق لبيان وجه وجوب التوكل على الله تعالى بعد المشاورة والعزيمة المبنية على أخذ الأهبة والاستعداد بما يستطاع من حول وقوة، أي إن ينصركم الله بالعمل بسننه وما يكون لكم من القوة والثبات بالاتكال على توفيقه ومعونته ؛ فلا غالب لكم من الناس الذين نصبهم حرمانهم من التوكل عليه تعالى غرضا للقنوط واليأس، ( وإن يخذلكم ) بما كسبت أيديكم من الفشل، وعصيان القائد فيما حتمه من عمل، كما جرى لكم في أحد، أو بالإعجاب بالكثرة، والاعتماد على الاستعداد والقوة، وهو مخل بالتوكل كما جرى يوم حنين، ( فمن ذا الذي ينصركم من بعده ) أي من بعد خذلانه أي لا أحد يملك لكم حينئذ نصرا، ولا أن يدفع عنكم ضرا :( وعلى الله فليتوكل المؤمنون ) ولا يتوكلوا على غيره، لأن النصر بيده. وهوالموفق لأسبابه وأهبه. وقد بينا أكثر من مرة أسباب النصر الحسية والمعنوية.
قد علم مما تقدم أن التوكل إنما يكون مع الأخذ بالأسباب وأن ترك الأسباب بدعوى التوكل لا يكون إلا عن جهل بالشرع أو فساد في العقل. فالتوكل محله القلب. والعمل بالأسباب محله الأعضاء والجوارح. والإنسان مسوق إليه بمقتضى فطرة الله التي فطر الناس عليها ( لا تبديل لخلق الله ) [ الروم : ٣٠ ] ومأمور به في الشرع قال تعالى :( فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه ) [ الملك : ١٥ ] وقال :( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) [ النساء : ٧١ ] وقال :( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ) [ الأنفال : ٦٠ ] وقال :( وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ) [ البقرة : ١٩٧ ] –راجع تفسيرها- وقال لنبيه لوط عليه السلام :( فاسر بأهلك بقطع من الليل ) [ هود : ٨١ ] وقال لنبيه موسى عليه السلام :( اسر بعبادي ليلا ) [ الدخان : ٢٣ ] وقال في الحكاية عن نبيه يعقوب لنبيه يوسف عليهما السلام :( يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا ) [ يوسف : ٥ ] وقال حكاية عنه أيضا :( يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغنى عنكم من الله من شيء. إن الحكم إلا الله عليه توكلت فليتوكل المتوكلون ) [ يوسف : ٦٧ ] فأمرهم بالحذر مع التنبيه على أنه متوكل على الله والتذكير بوجوب التوكل عليه فجمع بين الواجبين، وبين أنه لا تنافي بينهما، ولا غناء للمؤمن عنهما.
ذلك بأن الإنسان إذا توكل ولم يستعد للأمر ويأخذ له أهبته بحسب سنة الله في الأسباب والمسببات يقع في الحسرة والندم عندما يخيب ويفوته غرضه فيكون ملوما شرعا وعقلا، كما قال تعالى في مسألة الإسراف في المال :( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) [ الإسراء : ٢٩ ] وإذا هو استعد وأخذ بالأسباب واعتمد عليها غافلا قلبه عن الله تعالى فإنه يكون عرضة للجزع والهلع إذا خاب سعيه ولم ينل مراده فيفوته الصبر والثبات اللذان يهونان عليه الأمر، حتى لا يدري كيف يستفيد من الخبية ويتدارك أمره فيها، وربما وقع في اليأس الذي لا مطمع معه في فلاح ولا نجاح.
ولذلك قرن الله الصبر بالتوكل في عدة آيات من كتابه- قال تعالى حكاية عن الرسل عليهم السلام في محاجة أقوامهم :( وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا ولنصبرن على ما آذيتمونا وعلى الله فليتوكل المتوكلون ) [ إبراهيم : ١٢ ] وذكروا أن الله هداهم سبله وهي سننه في الأسباب وأنهم موطنون أنفسهم على الصبر لأنهم متوكلون عليه تعالى. ووصف الذين هاجروا من بعد ما ظلموا بقوله :( الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) [ النحل : ٤٢ ] وقال :( نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون ) [ العنكبوت : ٥٨ ] فوصفهم بالعمل وأسند إليهم الصبر والتوكل وقال لخاتم أنبيائه ورسله :( فاتخذه وكيلا واصبر على ما يقولون ) [ المزمل : ٩-١٠ ] كما قال له :( ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله، وكفى بالله وكيلا ) [ الأحزاب : ٤٨ ] فههنا قرن أمره بالتوكل بنهيه عن العمل بقول من لا يوثق بقوله لأنه يغش ولا ينصح كما أنه قرنه بالأمر المشاورة في الآية السابقة في الآيات التي نحن بصدد تفسيرها أعني قوله " وشاورهم في الأمر " وكل ذلك من اتخاذ الأسباب سلبا وإيجابا.
وجاء ذكر التوكل في مقام ذكر الحرمان من الرزق أو من سعيه، كما جاء في مقام الصبر على إيذاء المعتدين كقوله تعالى :( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب، ومن يتوكل على الله فهو حسبه ) [ الطلاق : ٣ ] وقوله في مقام وجوب نبذ الاغترار بسعة الرزق خشية الغفلة عن الآخرة :( فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون ) [ الشورى : ٣١ ]
وحسبنا هذه الآية في هداية القرآن وتحقيقه في مقام الجمع بين الأسباب والتوكل وأما الأحاديث الشريفة فأصح ما ورد في التوكل منها حديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب، وقد رواه أحمد والشيخان وغيرهم من حديث ابن عباس مرفوعا وقد روي بعدة ألفاظ منها " يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب، هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون " (١) رواه الشيخان معا عن عمران بن حصين، والبخاري عن ابن عباس، ومسلم عن أبي هريرة والطبراني عن خباب، وكذا الدارقطني في الأفراد وزاد بعد قوله : ولا يتطيرون " :" ولا يعتافون " ذكره في كنز العمال. وأنت ترى أنه قرن التوكل بترك الأعمال الوهمية دون غيرها فهو لم ينف من الأعمال إلا الاستشفاء بالرقية، وهي ليست من الأسباب الحقيقة للشفاء وإنما يطلبها طلابها عند الجهل بالأسباب والعجز عنها أنها من المؤثرات الغيبية وإنما المطلوب شرعا وطبعا ونقلا وعقلا أن يطلب الشيء من سببه الحقيقي الذي يستوي فيه كل من تعاطاه- وإلا التطير وهو التيمن والتشاؤم بحركات الطير، ونحوه الاعتياف وهو التفاؤل والتشاؤم بالألفاظ كقول الشاعر :
ألا قد هاجني فازددت وجدا *** بكاء حمامتين تجاوبان
تجاوبتا بلحن أعجمي *** على غصنين من غرب وبان
إلى أن قال :
فكان البان أن بانت سليمى *** وفي الغرب اغتراب غير دان
والطيرة والعيافة من سنة الجاهلين التي نسختها السنة النبوية، لأنها من مفسدات الفطرة البشرية، وكذلك الرقية كانت معروفة في الجاهلية : فكان أناس معروفون يرقون اللديغ – والكي بالنار وهو مما كانوا يتداوون به في الجاهلية وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرهه لأمته ويعده من الأسباب الضعيفة المؤلمة المستبشعة التي تنافي التوكل ولذلك قال " لم يتوكل من استرقى أو اكتوى " (٢) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني من حديث المغيرة بن شعبة.
ويلي هذا الحديث حديث " لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير : تغدوا خماصا وتروح بطانا " (٣) رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم، وقال الترمذي : حسن صحيح، وصححه الحاكم أيضا وأقره الذهبي وقد استدل به على أن التوكل يكون مع السعي لأنه ذكر أن الطير تذهب صباحا في طلب الرزق وهي خماص البطون لفراغها وترجع ممتلئة البطون ؛ ولم يقل إنها تمكث في أعشاشها وأوكارها فيهبط عليها الرزق من غير أن تسعى إليه.
وفي الباب حديث الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وأراد أن يترك ناقته وفي رواية أنه قال : أأعقلها وأتوكل، أم أطلقها وأتوكل ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " اعقلها وتوكل " (٤) رواه الترمذي من حديث أنس وأنكره ابن القطان من هذا الطريق. وروي من حديث عمرو ابن أمية الضمري بإسناد جيد أخرجه ابن حبان في صحيحه وفيه : أن الرجل قال : أرسل ناقتي وأتوكل ؟ فذكره. رواه الطبراني في الكبير والبيهقي في الشعب وجعلا القائل عمر نفسه. ورواه ابن خزيمة والطبراني بلفظ " قيدها وتوكل ".
وكلام السلف الصالح في ذلك كثير مستفيض. روي أن رجلا قال للإمام أحمد ( رحمه الله ) أريد الحج على التوكل ؛ فقال له : فاخرج في غير القافلة، قال لا ؛ قال : على جُرُب(٥) الناس توكلت. وقد تقدم أن قوله تعالى :( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) [ البقرة : ١٩٨ ] نزل في تخطئة من قالوا مثل هذا القول. وقال عبد الله ابن الإمام أحمد : قلت لأبي : هؤلاء المتوكلون يقولون نقعد وأرزاقنا على الله عز وجل. فقال : ذا قول رديء وخبيث، يقول الله عز وجل ( إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ) [ الجمعة : ٩ ] وقال أيضا : سألت أبي عن قوم يقولون : نتكل على الله ولا نكتسب ؛ فقال : ينبغي للناس كلهم أن يتوكلوا على الله ولكن يعودون على أنفسهم بالكسب، هذا قول إنسان أحمق. وروي عن ولده صالح أنه سأله عن التوكل فقال : التوكل حسن ولكن ينبغي للرجل أن لا يكون عيالا على الناس، ينبغي أن يعمل حتى يغني أهله وعياله ولا يترك العمل. قال : وسئل أبي وأنا شاهد عن قوم لا يعلمون، ويقولون نحن متوكلون، فقال : هؤلاء مبتدعة. قال الخلال راوي ما ذكر : وأخبرني المروزي أنه قال لأبي عبد الله : إن ابن عيينة كان يقول : هم مبتدعة، فقال أبو عبد الله : هؤلاء قوم سوء يريدون تعطيل الدنيا. وروي عنه غيره ذلك، ولا سيما في الحث على الكسب وعدم توق الصلة والنوال.
وقال أبو حفص عمر بن مسلم الحداد شيخ الجنيد في التصوف : أخفيت التوكل عشرين سنة وما فراقت السوق، كنت أكتسب في كل يوم دينارا ولا أبيت منه دانقا، ولا أستريح منه إلى قيراط أدخل به الحمام. وقال الغزالي : الخروج عن سنة الله ليس شرطا في التوكل. وأحفظ هذه العبارة عنه أو عن غيره بلفظ " ليس من التوكل الخروج عن سنة الله تعالى أصلا " وهذه أحسن وأصح. وقال في بيان أعمال المتوكلين عند الكلام عن الأسباب المقطوع بها " وذلك مثل الأسباب التي ارتبطت المسببات بها بتقدير الله ومشيئته ارتباطا مطردا لا يختلف كما أن الطعام إذا كان موضوعا بين يديك وأنت جائع محتاج ولكنك لست تمد اليد إليه وتقول أنا متوكل وشرط التوكل السعي، ومد إليه سعي وحركة، وكذلك مضغه بالأسنان وابتلاعه بإطباق أعالي الحنك على أسافله. فهذا جنون محض وليس من التوكل في شيء- ثم قال- وكذلك لو لم تزرع الأرض وطمعت في أن يخلق الله تعالى نباتا من غير بذر أو تلد زوجتك من غير وقاع كما ولدت مريم عليها السلام فكل ذلك جنون، وأمثال هذا مما يكثر ولا يمكن إحصاؤه ".
ثم ذكر أن الأسباب التي لا تعد قطعية مطردة كالتزود للسفر لا يشترط تركها في التوكل ولكنه يجوز ويعد من أعلى التوكل. وكلامه في هذا الباب وأمثاله كالزهد والفقر لا يسلم من نقد وخطأ لمبالغة في الميل إلى الانقطاع عن الدنيا والإقبال على الآخرة و " لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه " وقد تقدم ذكر إنكار القرآن على من أرادوا أن يحجوا من غير زاد. وسنوفي هذا المقام حقه في تفسير ( لا تغلو في دينكم ) [ النساء : ١٧١ ] ولغلبة هذا الميل على أبي حامد ( رحمه الله ) راج عنده كثير من الأخبار والآثار الواهية والموضوعية، بل راج عنده ما دونها من كلام جهلة المتصوفة وتخيلات الشعراء كقول الشاعر :
جرى قلم القضاء بما يكون *** فسيان التحرك والسكون
جنون منك أن تسعى لرزق *** ويرزق في غشاوته الجنين
فانظر كيف ينسي الإنسان ميله وحبه للشيء علمه وفقهه حتى يستحسن ما يخالفهما، وإلا فإن جهالة هذا الشاعر لا تخفى على من دون أبي حامد علما وفقها، فإن جريان قلم القضاء بما يكون ولا يقتضي كون الحركة والسكون سببين لأن الواقع في كل

١ - روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة، أخرجه البخاري في الرقاق باب ٢١، ٥٠ والطب باب ١٧، ٤٢، ومسلم في الإيمان حديث ٣٦٧، ٣٧١، ٣٧٢، ٣٧٤، وابن ماجه في الهد باب ٣٤، والدارمي في الرقاق باب ٨٦، وأحمد في المسند ١/ ٦، ١٩٧، ٢٧١، ٣٢١، ٤٠١، ٤٠٣، ٤١٧، ٤٢٠، ٤٥٤، ٢/ ١٦٨، ٣٠٢، ٣٥١، ٤/٤٣٦، ٤٤١، ٤٤٣، ٥/٢٥٠، ٢٦٨، ٣٣٥، ٤١٣..
٢ - أخرجه بهذا اللفظ أحمد في المسند ٤/ ٢٥١، ٢٥٣، وأخرجه بلفظ :" من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل"، الترمذي في الطب باب ١٤، وابن ماجه في الطب باب ٢٣، وأحمد في المسند ٤/ ٢٤٩، ٢٥٣..
٣ - أخرجه الترمذي في الزهد باب ٣٣، وابن ماجه في الزهد باب ١٤، وأحمد في المسند ١/ ٣٠، ٥٢..
٤ - أخرجه الترمذي في القيامة باب ٦٠..
٥ - الجرب، جمع جراب ككتب وكتاب: المراد ما فيها من الزاد..

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

رشيد رضا

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير