التباعد من المكروه (١).
وذكرنا ذلك في قوله: (فَقَدْ فَازَ [آل عمران: ١٨٥].
١٨٩ - قوله تعالى: وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أي: بِمُلْكِ تدْبيرِهما (٢)، وتصريفهما (٣) على ما يشاء. وهذا تكذيبٌ لِلَّذِين قالوا: إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ (٤).
١٩١ - قوله تعالى: الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا الآية.
رُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة (٥): أنهم قالوا: يعني (٦) [أنهم] (٧) يُصَلُّون على هذه الأحوال: قِيَامًا، فإن لم يستطيعوا فقُعُودا، فإن لم يستطيعوا فَعَلَى جُنُوبِهم.
وهذا اختيار الزجاج، قال (٨): يصلون في (٩) جميع هذه الأحوال،
(١) انظر: "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٤٩٥.
(٢) في (ج): (سرها).
(٣) في (ج): (وتصريفها).
(٤) سورة آل عمران: ١٨١. وانظر: "تفسير الطبري" ٤/ ٢٠٩.
(٥) ذكر قولهم الثعلبي في "تفسير" ٣/ ١٧٠ ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٥٢٧.
(٦) في (ج): (معنى).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ج).
(٨) في "معاني القرآن"، له: ١/ ٤٩٩. نقله عنه بنصه. ولكن ليس هذا اختيار الزجاج، وإنما أورده وعزاه لبعض المفسرين، فقال: (وقال بعضهم..) ثم ذكره، وأعقبه بقوله: (وحقيقته عندي -والله أعلم-: أنهم موحدون الله على كل حال). وقال قبلها: (.. وإنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم) ١/ ٤٩٨. وهذا هو اختياره.
(٩) في "معاني القرآن": على.
على قَدْرِ إمْكانِهِم، في صحتهم وسَقَمِهم.
وقال آخرون (١): يريد: أنهم يذكرون الله على كل حال.
وجاز (٢) أن يعطف بـ (على) على قِيَامًا و وَقُعُودًا، لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل). المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا (٣).
وقوله تعالى: وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ.
ليَكُون (٤) ذلك أزيد في بَصِيرتهم؛ لأن فكرهم يُرِيهم عِظَمَ شأنهما، فيكون تعظيمُهم للهِ عز وجل على حسب ما يقفون عليه من آثار حكمته.
وقوله تعالى: رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا.
أي: و (٥) يقولون: رَبَّنا ما خلقت هذا (٦). الإشارة بـ هَذَا راجعةٌ إلى
(٢) من قوله: (وجاز..) على (.. وراكبًا): نقله -بتصرف- عن: "معاني القرآن"، للزجاج: ١/ ٤٩٨.
(٣) أي أنَّ وَعَلَى جُنُوبِهِمْ في معنى الاسم؛ أي: (ونيَامًا)، أو (مُضْطجِعين على جنوبهم). فحسن حينها عطفها على قِيَامًا وَقُعُودًا، كما قال في موضع آخر: وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا [سورة يونس: ١٢] فقوله: لِجَنْبِهِ، أي: (مضطجعا)، فعطف على الأسماء بعدها.
انظر: "معاني القرآن"، للفراء ١/ ٢٥٠، و"تفسير الطبري" ٤/ ٢١٠.
(٤) من قوله: (ليكون..) إلى (.. آثار حكمته): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: ١/ ٤٩٩.
(٥) (الواو): زيادة من (ج).
(٦) في (ج): (هذه).
الخَلْقِ. و خَلَقْتَ يدل على الخَلْقِ (١).
وقوله تعالى: بَاطِلًا.
أي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.
ومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ (٢). ولَمَّا كان خَلْقُ السَّموات والأرض خَلْقًا مُتْقَنًا، وصُنْعًا مُحْكمًا دالًا على قدرة الصانع، لم يكن باطلًا.
وكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) (٣)؛ لأنه خلقهما لِيَبْلُوَ العِبَادَ بينهما بالأمر والنهي، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي (٤)، وانتصب قولُه بَاطِلًا على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا (٥).
(٢) قال ابن فارس (الباء والطاء واللام، أصلٌ واحدٌ، وهو: ذهاب الشيء، وقِلَّةُ مُكْثِهِ ولُبْثِه؛ يقال: (بَطَلَ الشيءُ، يَبْطُلُ بُطْلًا وبُطُولًا". "مقاييس اللغة" ١/ ٢٥٨ (بطل).
(٣) وممن قال بهذا المعنى: مقاتل، والطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والعز بن عبد السلام.
انظر: "تفسير مقاتل" ١/ ٣٢١، و"تفسير الطبري" ٤/ ٢١٠، و"بحر العلوم" ١/ ٣٢٤، و"تفسير الثعلبي" ٣/ ١٧١ أ، و"فوائد في مشكل القرآن" لابن عبد السلام ١٠٩.
(٤) قال تعالى: وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ [الجاثية: ٢٢].
(٥) وهذا وجه واحد من وجوه نصبه، وفيه وجوه أخرى، ذكرها أبو حيان في "البحر =
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي