والأشرار في الدنيا ضربان: ضرب عرفوه عذابا كالأمراض
والخسف والمسخ وتسليط المؤمنين عليهم.
وضرب حسبوه نعمة وهو في الحقيقة نقمة.
وذلك كتمكينهم من مال وجاه وسائر أعراض الدنيا، التي حظهم منها الهموم والغموم، وإياه عنى بقوله: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا).
قوله عز وجل: (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)
الإيمان: فعل ما يقتضي الأمن من عذاب الله.
والصَّلاح: فعل ما يقتضي الصلح بينه وبين الله عز وجل.
والتوفية: إعطاؤه ما لا ينقص عما يقابلبه،
والإِيفاء الزيادة عليه، إن قيل: كان من حق المقابلة أنه لما عاقب
ذكر الكافرين بقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أن يذكر ها هنا ما
ينافيه فيقول: (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ). ونحو ذلك من الكلام لا قوله:
(وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
قيل: إن قوله: (وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) من صفة الذين كفروا.
ونبّه بالصفتين جميعا، أعنى هذه وقوله: (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) على كون المؤمنين منصورين ومحبوبين.
وقد دل على ذلك من فحوى الكلام في هذه الآية وغيرها من
الآيات، وفي قوله: (لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) تنبيه أنه لا يظلم خلقه.
فمن لا يحب شيئاً لا يتعاطاه مع استغنائه عنه.
إن قيل: ما وجه إعادة ذكر عذاب الكافرين وثواب المؤمن العاقل الصالح في هذا المكان؟
قيل: إن ذلك مقترن بمخاطبته عيسى، وهو قوله: (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ)
وتقديره: الذين كفروا بك، آمنوا بك. لكن حُذِف ذلك اختصار.
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار