ﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁ ﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤ

ثُمَّ قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ مَلَأِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فِيمَا هَمُّوا بِهِ مِنَ الْفَتْكِ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَإِرَادَتِهِ بِالسُّوءِ وَالصَّلْبِ حِينَ تَمَالَئُوا عَلَيْهِ، وَوَشَوْا بِهِ إِلَى مَلِكِ ذَلِكَ الزَّمَانِ، وكان كافرا، أن هنا رَجُلًا يُضِلُّ النَّاسَ وَيَصُدُّهُمْ عَنْ طَاعَةِ الْمَلِكِ ويفسد الرَّعَايَا، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الْأَبِ وَابْنِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تَقَلَّدُوهُ فِي رِقَابِهِمْ وَرَمَوْهُ بِهِ من الكذب، وأنه ولد زنية حَتَّى اسْتَثَارُوا غَضَبَ الْمَلِكِ، فَبَعَثَ فِي طَلَبِهِ مَنْ يَأْخُذُهُ وَيَصْلُبُهُ وَيُنَكِّلُ بِهِ، فَلَمَّا أَحَاطُوا بَمَنْزِلِهِ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ ظَفِرُوا بِهِ، نَجَّاهُ الله تعالى مِنْ بَيْنِهِمْ وَرَفَعَهُ مِنْ رَوْزَنَةِ «١» ذَلِكَ الْبَيْتِ إِلَى السَّمَاءِ، وَأَلْقَى اللَّهُ شَبَهَهُ عَلَى رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ عِنْدَهُ فِي الْمَنْزِلِ، فَلَمَّا دَخَلَ أولئك اعتقدوه في ظلمة الليل عيسى، فَأَخَذُوهُ وَأَهَانُوهُ وَصَلَبُوهُ، وَوَضَعُوا عَلَى رَأْسِهِ الشَّوْكَ، وَكَانَ هَذَا مِنْ مَكْرِ اللَّهِ بِهِمْ، فَإِنَّهُ نَجَّى نَبِيَّهُ وَرَفَعَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ضَلَالِهِمْ يَعْمَهُونَ، يَعْتَقِدُونَ أَنَّهُمْ قَدْ ظَفِرُوا بِطَلَبَتِهِمْ، وَأَسْكَنَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ قَسْوَةً وَعِنَادًا لِلْحَقِّ مُلَازِمًا لَهُمْ، وَأَوْرَثَهُمْ ذِلَّةً لَا تُفَارِقُهُمْ إِلَى يَوْمِ التَّنَادِ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ.
[سورة آل عمران (٣) : الآيات ٥٥ الى ٥٨]
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)
اختلف المفسرون في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ فَقَالَ قَتَادَةُ وَغَيْرُهُ: هَذَا مِنَ الْمُقَدَّمِ وَالْمُؤَخَّرِ، تَقْدِيرُهُ إِنِّي رَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُتَوَفِّيكَ، يَعْنِي بَعْدَ ذَلِكَ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ، أَيْ مُمِيتُكَ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ عمن لَا يُتَّهَمُ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قَالَ: توفاه الله ثلاث ساعات من أول النهار حين رفعه إِلَيْهِ، قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَالنَّصَارَى يَزْعُمُونَ أَنَّ اللَّهَ تَوَفَّاهُ سَبْعَ سَاعَاتٍ، ثُمَّ أَحْيَاهُ. وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ بِشْرٍ، عَنْ إِدْرِيسَ عَنْ وَهْبٍ:
أَمَاتَهُ اللَّهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، ثُمَّ بَعَثَهُ، ثُمَّ رفعه. وقال مطر الوراق: إني مُتَوَفِّيكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَلَيْسَ بِوَفَاةِ مَوْتٍ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: تَوَفِّيهِ هُوَ رَفْعُهُ، وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ: الْمُرَادُ بِالْوَفَاةِ هَاهُنَا- النَّوْمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [الْأَنْعَامِ: ٦٠]. وَقَالَ تَعَالَى اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها [الزُّمَرِ: ٤٢]، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ إِذَا قَامَ مِنَ النَّوْمِ:
«الْحَمْدُ لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا» الحديث، وقال تَعَالَى: وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتاناً عَظِيماً. وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ- إلى قوله- وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ

(١) الروزنة: فتحة في أعلى السقف.

صفحة رقم 39

الْكِتابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً [النِّسَاءِ: ١٥٦- ١٥٩] وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، أَيْ وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا ليؤمنن بِعِيسَى قُبَلَ مَوْتِ عِيسَى، وَذَلِكَ حِينَ يَنْزِلُ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ، فَحِينَئِذٍ يُؤْمِنُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ كُلُّهُمْ، لِأَنَّهُ يَضَعُ الْجِزْيَةَ وَلَا يَقْبَلُ إِلَّا الْإِسْلَامَ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ، عَنْ أَبِيهِ، حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ في قوله تعالى: إِنِّي مُتَوَفِّيكَ يَعْنِي وَفَاةَ الْمَنَامِ، رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ. قَالَ الْحَسَنُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ «إِنَّ عِيسَى لَمْ يَمُتْ، وَإِنَّهُ رَاجِعٌ إِلَيْكُمْ قَبْلَ يَوْمِ الْقَيَّامَةِ» وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَيْ بِرَفْعِي إِيَّاكَ إِلَى السَّمَاءِ وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَهَكَذَا وَقَعَ فَإِنَّ الْمَسِيحَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَمَّا رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ، تَفَرَّقَتْ أَصْحَابُهُ شِيَعًا بَعْدَهُ، فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِمَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَابْنُ أُمَتِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ غَلَا فِيهِ فَجَعَلَهُ ابْنَ اللَّهِ، وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ اللَّهُ، وَآخَرُونَ قَالُوا: هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَقَدْ حَكَى اللَّهُ مَقَالَاتِهِمْ فِي الْقُرْآنِ وَرَدَّ عَلَى كُلِّ فَرِيقٍ، فَاسْتَمَرُّوا على ذلك قريبا من ثلاثمائة سنة، ثم نبغ لَهُمْ مَلِكٌ مِنْ مُلُوكِ الْيُونَانِ يُقَالُ لَهُ قُسْطَنْطِينُ «١»، فَدَخَلَ فِي دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ، قِيلَ: حِيلَةٌ لِيُفْسِدَهُ، فَإِنَّهُ كَانَ فَيْلَسُوفًا، وَقِيلَ: جَهْلَا مِنْهُ إِلَّا أَنَّهُ بَدَّلَ لَهُمْ دِينَ الْمَسِيحِ وَحَرَّفَهُ، وَزَادَ فِيهِ وَنَقَصَ مِنْهُ، وَوُضِعَتْ لَهُ الْقَوَانِينُ، والأمانة الكبرى الَّتِي هِيَ الْخِيَانَةُ الْحَقِيرَةُ، وَأُحِلَّ فِي زَمَانِهِ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ، وَصَلَّوْا لَهُ إِلَى الْمَشْرِقِ، وَصَوَّرُوا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد فِي صِيَامِهِمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ ارْتَكَبَهُ فِيمَا يَزْعُمُونَ، وَصَارَ دِينُ الْمَسِيحِ دِينَ قُسْطَنْطِينَ إِلَّا أَنَّهُ بَنَى لَهُمْ مِنَ الْكَنَائِسِ وَالْمَعَابِدِ وَالصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ مَا يَزِيدُ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ مَعْبَدٍ، وَبَنَى الْمَدِينَةَ الْمَنْسُوبَةَ «٢» إِلَيْهِ، وَاتَّبَعَهُ الطَّائِفَةُ الْمَلْكِيَّةُ مِنْهُمْ، وَهُمْ فِي هَذَا كُلُّهُ قَاهِرُونَ لِلْيَهُودِ، أَيَّدَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْجَمِيعُ كُفَّارًا عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ اللَّهِ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانَ مَنْ آمَنَ بِهِ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْحَقِّ، كَانُوا هُمْ أَتْبَاعَ كُلِّ نَبِيٍّ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، إِذْ قَدْ صَدَّقُوا الرسول النبي الأمي العربي، خاتم الرسل وسيد ولد آدم على الإطلاق، الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَى التَّصْدِيقِ بِجَمِيعِ الْحَقِّ، فَكَانُوا أَوْلَى بِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْ أُمَّتِهِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ عَلَى مِلَّتِهِ وَطَرِيقَتِهِ، مَعَ مَا قَدْ حَرَّفُوا وَبَدَّلُوا، ثُمَّ لَوْ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ من ذلك، لكان قد نسخ الله شريعة جميع الرسل بما بَعَثَ اللَّهُ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الدِّينِ الْحَقِّ الَّذِي لَا يُغَيَّرُ ولا يبدل إلى قيام الساعة،

(١) هو قسطنطين الأول الكبير، ابن قسطانش الأول والقديسة هيلانة. توفي سنة ٣٣٧ م. وفي سنة ٣١٣ م أصدر منشور ميلان الذي أقر التسامح مع المسيحية. ومع أن قسطنطين استمر في اهتمامه بالمسيحية، فإنه لم يعمّد إلا وهو على فراش الموت.
(٢) سنة ٣٣٠ م أعاد بناء بيزنطة وجعلها عاصمة ملكه وسماها القسطنطينية وكرسها للعذراء.

صفحة رقم 40

تفسير القرآن العظيم

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي

تحقيق

محمد حسين شمس الدين

الناشر دار الكتب العلمية، منشورات محمد علي بيضون - بيروت
الطبعة الأولى - 1419 ه
عدد الأجزاء 1
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية