ﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊ

بعد الذي تقدم ذكره تنبيا أن كلا الأمرين منهم كذب؛
لي الألسنة، وقولهم: هو من عند الله، وإعلام أن ليس كذبهم
مخصوصًا بهذين فقط، بل هم كَذَبة كقولك: فلان تقول على كذا
وهو كاذب، ثم قال: (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) تشنيعا عليهم، وأنهم غير
معذورين بوجه إذ قد يعذر الإِنسان في بعض ما يظنه، ومن كذب
عامدَا إليه وعالما به وهو يقصد به استجلاب نفع دنيوي فهو
مستحقّ للذمّ.
قوله عز وجل: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)

صفحة رقم 667

البشر يستوي فيه الواحد والجمع لكونه كالخلق.
والرباني: قيل: هو منسوب إلى الربَّان، وهو المتخصصُ بالعلم الذي يربُّه باستفادته وإفادته، وفعلان أكثر ما يجيء عن فَعِل للمبالغة نحو نعسان.
وقال الزجاج: الرباني منسوب إلى الربِّ، لكن زِيد فيه ألف ونون
للمبالغة في النسبة، كما زيد في: لحياني وجماني قال مؤرج:
هو لفظة في الأصل سريانية وأخلِق بذلك فقل ما يوجد في

صفحة رقم 668

كلامهم القديم، وإلى ما قدمنا من معناه
قال الحسن: معناه: كونوا علماء فقهاء.
وقال ابن جبير: حكماء فقهاء.
وقال ابن زيد: مدبِّري أمر الناس في الولاية بالإِصلاح.
وقال الزجاج: معلمي الناس وهذا كله ألفاظ مختلفة عن

صفحة رقم 669

معنى واحد، بيَّن تعالى أنه لن يصطفي علام الغيوب لرسالته
من يعلم من حاله أنه يكذب، وأن يأمر الناس أن يعبدوه.
وإلى هذا أشار بقوله تعالى: (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
وإنما قال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) فذكر باللام لأن قولك: فلان
ليس له أن يفعل كذلك. أبلغ من قولك: هو لا يفعل؛ لأن في
قولك ليس له أنه ممنوع منه، إما منعا من خارج كالقهر، وإما من
داخل من جهة العقل والتزام الشرع، وقد نبّه تعالى بذلك أن
الأنبياء ممنوعون عن ذلك من جهة العقل المسدّد، والحظر
الوارد عليهم من قبله تعالى، لا منعا من جهة عدم التمكن.
وعلى ذلك قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ)
وأما قوله: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ) فإنه لما أراد تعالى المبالغة في

صفحة رقم 670

النفي أخرج الكلام هذا المخرج، تنبيهًا أن الحكمة تمنع من
ذلك، وإن كان منزها عن أن يوصف بمنعِ على وجه.
وقال الجبّائي: ليس قوله: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ) على سبيل التحريم.
لأن هذا محرّم على جميع الخلق، قال: ولو كان ذلك تحريماَ لم يكن
تكذيباً للنصارى في ادعائهم ذلك على المسيح، لأن من ادعى
على إنسان قولا، فقال: فلان لا يحلُّ له كذا. لا يكون مكذّبا
لدعواه، قال: وإنما أراد الله بهذا القول تكذيبهم، وما قاله
فيه قصور نظر، فإن النصارى أقرُّوا بأن المسيح لم يكن يدعي ما لم
يكن له أن يدعي، فإذا أقروا بذلك، وبيّن تعالى أن ليس له ولا
لأحد من البشر أن يقول ذلك، كان فيه إلزام واضح، وكأنه قيل:
قد ثبت أن المسيح لم يكن يدعي ما ليس له دعواه، وثبت أنه كان
بشرا بما تقدم في هذه السورة وغيرها، ولم يكن لأحد يؤتيه الله
الكتاب والحكم والنبوة أن يقول للناس: اعبدوني من دون الله.
وإن المسيح قد أوتي الكتاب والنبوة، فإذن محال أن يدعو أحدا إلى

صفحة رقم 671

عبادته، وقوله: (ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ) بالرفع على الاستئناف
وبالنصب على العطف، أي لا يجتمع الأمران: إثبات النبوة.
وقوله: (كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقوله: (وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ)، يعني: ولكن يقولوا: كونوا ربانيين، حكماء أولياء لله.
فقد قيل: إن لم يكن العلماء أولياء لله فليس لله في الأرض ولي.
وقيل: كونوا متخصصين بالله تخصصا تُنسبون إليه، وتوصفون
بعامة أوصافه نحو الجواد والودود والرحيم.
وقيل: كونوا من المتخصصين بالله الذين وُصِفوا بقوله:
"فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به " الخبر.

صفحة رقم 672

وقيل: كوثوا متخصصين بالله غر ملتفتين إلى الوسائط
كأبي بكر لما قال حين موت النبي - ﷺ -، واضطربت أسرار عامة الناس: "من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ".
وقد قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ.. ) الآية، وقوله: (وَبِمَا كُنْتُمْ) أي بكونكم عالمين أو معلّمين على حسب القراءتين في تعلمون وتُعلِّمون، ولا تحتاج لفظة ما هاهنا إلى ضمير، كما هو في
قوله: (فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا)، لكونه في

صفحة رقم 673

تقدير أن، ومعنى (تَعْلَمُون الكتابَ) أي تعرفونه كقوله:
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ).
وقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ).
وإذا قرئ (تُعَلِّمُونَ) فمعناه تعلمون الناس الكتاب، وقوله: (وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) مما يصح أن يوصف به العلم والمعلم، ومعنى (بِمَا كُنْتُمْ) أي كونوا معلمي

صفحة رقم 674

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية