قوله تعالى: كَيْفَ يَهْدِي كقولِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ [البقرة: ٢٨] وقيل الاستفهامُ هنا معناه النفي، وأنشد:
صفحة رقم 300
| ١٣٥١ - كيفَ نومي على الفراشِ وَلمَّا | تَشْمَلِ الشامَ غارةٌ شَعْواءُ |
| ١٣٥٢ - فهذي سيوفٌ يا صُدَّيُّ بنُ مالكٍ | كثيرٌ ولكن كيف بالسيفِ ضارِبُ |
الثاني: أنها في محلِّ نصبٍ على الحال من واو «كفروا»، والعاملُ فيها الرافعُ لصاحبِها، و «قد» مضمرةٌ معها على رأي، أي: كفروا وقد وقد شهدوا، وإليه ذهب جماعة كالزمخشري وأبي البقاء وغيرهما، قال أبو البقاء: «ولا يجوز أن يكون العامل» يَهْدي «لأنه يهدي مَنْ شَهِدَ أن الرسول حق، يعني أنه لا يجوزُ أَنْ يكونَ حالاً من» قوماً «، والعاملُ في الحال» يَهْدِي «لِما ذَكَر من فساد المعنى/. صفحة رقم 301
الثالث: أن يكونَ معطوفاً على» إيمانهم «لما تضمَّنه من الانحلال لجملةٍ فعلية، إذ التقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا، وإلى هذا ذهب جماعة، قال الزمخشري:» أن يُعْطف على ما في «إيمانهم» من معنى الفعل، لأن معناه: بعد أن آمنوا، كقولِهِ تعالَى: فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن [المنافقون: ١٠] وقوله:
| ١٣٥٣ - مشائيمُ ليسوا مُصْلِحين عشيرةً | ولا ناعبٍ إلا بِبَيْنٍ غرابُها |
وقال الواحدي: «عُطِف الفعلُ على المصدر؛ لأنه أراد بالمصدر الفعلَ تقديرُه: كفروا بالله بعد أَنْ آمنوا، فهوعطفٌ على المعنى كما قال:
| ١٣٥٤ - لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني | أَحَبُّ إليَّ مِنْ لُبْسِ الشفوفِ |
الأولَ يُؤَوَّل لأجل الثاني، وهذا ليس بظاهر، لأنَّا إنما نحتاج إلى ذلك لكونِ الموضع يطلبُه فعلاً كقوله: إِنَّ المصدقين لأنَّ الموصول يَطْلُبُ جملةً فعلية فاحتْجنا أَنْ نتأوَّل اسمَ الفاعل بفعلٍ، وعَطَفْنا عليه «وأقرضوا»، وإما «بعد إيمانهم» وقوله «للبس عباءة» فليس مكانُ الاسمِ محتاجاً إلى فعل، فالذي ينبغي: أن نتأول الثاني باسمٍ ليصِحَّ عطفُه على الاسم الصريح قبله، وتأويلُه بأن نأتي معه ب «أن» المصدرية مقدرةً، وتقديرُه: بعد إيمانهم وأَنْ شَهِدوا، أي: وشهادتهم، ولهذا تأوَّل النحويون قولَها: «لَلُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ» : وأَنْ تقرَّ، إذ التقدير: وقرةُ عيني، وإلى هذا الذي ذكرته ذهب أبو البقاء فقال «التقدير: بعد أَنْ آمنوا وأن شهدوا، فيكونُ في موضعِ جَرٍّ».
انتهى، يعني أنه على تأويلِ مصدرٍ معطوفٍ على المصدرِ الصريح المجرور بالظرف، وكلام الجرجاني فيه ما يَشْهد لهذا ويَشْهَدُ لتقدير الزمخشري فإنه قال: قوله «وشَهِدوا» منسوقٌ على ما يُمكنُ في التقدير، وذلك أنَّ قولَه «بعد إيمانهم» يمكن أن يكونَ بعد «أن آمنوا» وأَنْ الخفيفة مع الفعلِ بمنزلةِ المصدرِ كقولهِ: وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ [البقرة: ١٨٤] أي: والصوم، ومثلُه مِمَّا حُمِل فيه على المعنى قولُه تعالى: وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ [الشورى: ٥١] فهو عطفٌ على قوله: إِلاَّ وَحْياً، ويمكن فيه: إلا أن يُوحى إليه، فلما كان قوله إِلاَّ وَحْياً بمعنى: إلا أنْ يُوحَى إليه حَمَله على ذلك، ومثله من الشعر قوله:
| ١٣٥٥ - فَظَلَّ طُهاةٌ اللحم من بين مُنْضِجٍ | صَفيفَ شِواءٍ أو قديرٍ مُعَجَّلٍ |