ولما نزلت وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ ادعى كل قبيل، وكل أهل ملة انهم هم المسلمون فأنزل الله [ تعالى] وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت مَنِ استطاع إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالمين [آل عمران: ٩٧]، فحج المسلمون وقعد الكافرون، فظهر فساد دعوى كل من ادعى الإسلام إلا المسلمون.
قوله كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ الآية. قال ابن عباس: كان رجل من الأنصار أسلم، ثم ارتد، وهو الحارث بن سويد فأرسل إلى قومه أن يسألوا النبي ﷺ: هل لي من توبة؟ فأنزل الله تعالى كَيْفَ يَهْدِي الله قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثم أنزل الله إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ فأرسل إليه قومه وأسلم.
وقال مجاهد: نزلت الآيتان بعد ارتداد الحارث بن سويد فحملهما إليه رجل فقرأ عليه الآية الأولى ثم قرأ عليه الآية إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك الآية فقال الحارث: إنك - والله ما علمت - لصدوق، وإن رسول الله ﷺ أصدق منك. وإن الله سبحانه لأصدق الثلاثة ثم رجع فأسلم وحسن إسلامه.
قال السدي: نزلت في الحارث بن سويد حين ارتد ثم نسخها الله بقوله:
إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ.
وروي أنه كان يظهر الإسلام فلما كان يوم أحد قتل المجذر بن زياد بدم كان له عليه، وقتل قيس بن زيد، وارتد ولحق بمشرك، فأمر رسول الله ﷺ عمر أن يقتله إن ظفر به، ففاته، ثم بعث إلى أخيه من مكة يطلب التوبة، فأنزل الله تعالى كَيْفَ يَهْدِي الله الآيتين.
وقال كثير من المفسرين: إنما نزلت في اليهود لأنهم وجدوا في التوراة إن الله جل ذكره ناجى موسى عليه السلام وكان في مناجاته " يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني وأعطيتكم قبل أن تسألوني، ورحمتكم قبل أن تسترحموني، فقال موسى عليه السلام: جعلت وفادتي لغيري "، وذلك قوله تعالى لمحمد ﷺ: وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطور إِذْ نَادَيْنَا [القصص: ٤٦] " أي: إذ ناجينا موسى بهذا أن: يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني إلى آخر القصة.
وقيل: نزلت في قوم ارتدوا.
وقيل: نزلت في أهل الكتاب لأنهم عرفوا محمداً ﷺ وصفته، ثم كفروا به عن
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي