ثم يقول الحق سبحانه :
قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين٤٢
السير : الانتقال من حيز مكاني إلى حيز آخر، وسبق أن قلنا : إن النظرة السطحية في ظاهر الأمر أن السير يكون على الأرض لا فيها ؛ لأننا نسكن على الأرض لا فيها، لكن الحق سبحانه يبصرنا بقوله : قل سيروا في الأرض... ٤٢ ( الروم ) أن الأرض ليست هي اليابسة والماء على سطح الكرة الأرضية، أما الأرض فتشمل غلافها الجوى لذلك يدور معها وهو إكسير الحياة فيها ؛ فلا حياة لها إلا به.
إذن : فهؤلاء الأرض من الأرض، وهو أهم الأقوات للأحياء عليها، فحين يقول تعالى : وقدر فيها أقواتها.... ١٠ ( فصلت ) فالهواء داخل فيها، لذلك قال قل سيروا في الأرض... ٤٢ ( الروم )
وقلنا : لو أنك استقرأت أجناس الوجود لوجدت أنك الجنس الأعلى في الكون، وكل الأجناس تحتك تخدمك، فأنت تنتفع بالحيوان وبالنبات وبالجماد، فأدنى الأجناس في الكون وهو الجماد له مهمة يؤديها.
فأنت أيها الإنسان الذي كرمك الله على كل أجناس الوجود إذا لم تبحث لك مهمة تؤديها في الحياة، ودور تقوم به، فأنت أقل منزلة من أدنى الأجناس وهو الجماد، إذا لم تبحث بعقلك عن شيء ترتبط به يناسب سيادتك على من دونك، فأنت أتفه من الحجر ؛ لأن الحجر له مهمة يؤديها، وأنت لا مهمة لك.
لكن هذا الجنس الأدنى إن أراد سبحانه أعطاه عزة فوق السيد المخدوم وهو الإنسان، ففي فرض الحج يسن لك أن تقبل هذا الحجر، وتسعى جاهدا لكي تقبله، وتأمل الإنسان- وهو سيد هذا الوجود- وهو يحاول أن يقبل الحجر، ويغضب إن لم يتمكن من ذلك.
وتأمل الرد من دولة الأحجار على من عبدها من دون الله١
عبدونا ونحن أعبد لله من القائمين بالأسحار
تخذوا صمتنا علينا دليلا فغدونا لهم وقود النار
قد تجنوا جهلا كما قد تجنوه على ابن مريم والحواري
للمغالي جزاؤه والمغالى فيه تنجيه رحمة الغفار
ثم يقول الحق سبحانه : فانظروا كيف كان عاقبة الدين من قبل... ٤٢ ( الروم ) فالسير في الأرض يكون إما للسياحة والتأمل في آيات الله في كونه، لذلك يستخدم فيها الفاء فانظروا... ٤٢ ( الروم ) أو يسير في الأرض في الأرض لطلب الرزق.
وفي آية أخرى : قل سيروا في الأرض ثم انظروا... ١١ ( الأنعام ) والمعنى : سيروا في الأرض للاستثمار، وطلب القوت، وقضاء المصالح، لكن لا يفوتكم النظر والتأمل في آيات الله وفي مخلوقاته لتأخذوا منها العبرة والعظة.
ومعنى : كيف كان عاقبة الذين من قبل... ٤٢ ( الروم ) أي : الذين ظهر الفساد بينهم، فأذاقهم الله الألم بما كسبت أيديهم، فهذه ليست عندك وحدك، إنما حدثت في الأمم السابقة، كما قال سبحانه : وإنكم لتمرون عليهم مصبحين١٣٧ ( الصافات )
فهناك مدائن صالح والأحقاف وعاد وثمود والفراعنة.... إلخ انظر ما حل بهم من الحضارة والنضارة، بعد ما توصلوا إليه من علم التحنيط الذي لم يعرف العلم أسراره حتى الآن، ويضعون مع جثث الموتى حبوب القمح أو الشعير، فتظل على حالها، بحيث إذا زرعت بعد آلاف السنين تنبت.
إنها قدرة علمية فائقة، ومع ذلك ما استطاعت هذه الحضارة أن تحمي نفسها من الاندثار، وإذا كان القرآن قد قال عن الحضارة الفرعونية وفرعون ذي الأوتاد١٠ ( الفجر ) فقد قال عن إرم التي لم يخلق مثلها في البلاد٨ ( الفجر )
فأي حضارة هذه ؟ وأين هي الآن ؟ طمرتها رمال الأحقاف٢، ودفنتها تحت أطباق الثرى، ولا تعجب من ذلك، ففي هذه المنطقة إن هبت عاصفة واحدة، فإنها تغطي قافلة كاملة بجمالها ورجالها تحت الأرض، فما بالك بالعواصف منذ قرون طوال ؛ لذلك نجد كل الآثار يتم التنقيب عنها حفرا.
إذن : فالحضارات مع عظمها لم تستطع أن تحمي نفسها من الزوال، وهذا دليل على وجود قوة أعلى منها تزيلها وتقضي عليها.
وقوله تعالى : كان أكثرهم مشركين ٤٢ ( الروم ) أي : أن القليل منهم لم يكن مشركا، قالوا : هذه القلة هم الصبيان والمجانين، ومن ليس له إرادة حرة، وإن أخذت هذه القلة مع الكثرة المشركة، فإن الله إنما أراد بهم خيرا ؛ لأن مثواهم إلى الجنة بغير حساب.
لذلك لما تكلمنا عن موسى والعبد الصالح في سورة الكهف : لما قتل الحضر الغلام تعجب موسى، ففي المرة الأولى خرق السفينة واعتدى على ملك، أما في هذه المرة فقد أزهق روحا ؛ لذلك قال في الأولى لقد جئت شيئا إمرا٧١ ( الكهف ) أي : عجيبا، أما في الثانية فقال : لقد جئت شيئا نكرا٧٤ ( الكهف )
ثم بين الخضر الحكمة من قتل الغلام فقال : إن له أبوين صالحين، وفي علم الله تعالى أن سيفسد عليهما دينهما ؛ لأن الفتنة تأتي الإنسان غالبا من الزوجة أو من الولد، كما قال سبحانه : إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم... ١٤ ( التغابن )لماذا ؟ لأنهما يحملانك على ما لا تطيق، ويضطرانك ربما للسرقة أو للرشوة لتوفر لهما ما يلزمهما، ولأن الفساد يأتي من ناحيتهما قال سبحانه :
ما اتخذ صاحبة ولا ولدا٣ ( الجن ) يعني : طمئنوا عبادي، فلا أحد يؤثر على إرادتي.
إذن : فالخضر صنع الجميل بالوالدين، حيث أنقذهما من هذا الابن، وصنع أيضا جميلا بالغلام حيث قتله قبل سن التكليف، وجعل مصيره إلى الجنة، وربما لو تركه لكان كافرا بالله عاقا لوالديه، وهذا كله إنما جرى بأمر الله وحكمه : وما فعلته عن أمري... ٨٢ ( الكهف )
وكأن الحق- تبارك وتعالى- يقول لنبيه في هذه المسألة بداية من ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس... ٤١ ( الروم ) ثم إنزال العقاب بهم جزاء ما عملت أيديهم وأجبتك في دعوتك عليهم.
كل ذلك إنما يعني أنني أقوي مركزك، ولن أتخلى عنك، وما دام الأمر كذلك فإياك أن يؤثر فيك مكرهم أو تركن إلى أحد منهم ممن قالوا لك : تعبد آلهتنا ونعبد إلهك سنة٣، لكن يقول الحق سبحانه :
فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون٤٣ .
٢ قال الأزهري: الأحقاف رمال بظاهر بلاد اليمن كانت عاد تنزل بها. (لسان العرب-مادة: حقف).
٣ ذكره الواحدي في أسباب النزول(ص٢٦١) في نزول سورة(الكافرين) أن رهطا من قريش قالوا: يا محمد هلم اتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة..
تفسير الشعراوي
الشعراوي