الربع الثاني من الحزب الواحد والأربعين في المصحف الكريم
مما يستلفت النظر ويثير الانتباه ما يدعو إليه كتاب الله ويحض عليه في غير ما آية، من السير في أكناف الأرض طولا وعرضا، وكتاب الله ينوع الأساليب المتبعة في هذه الدعوة الملحة، كما ينوع الأهداف المرجوة منها، فأحيانا يدعو إلى السير في الأرض دعوة عامة، على أن يكون السير فيها بعقل متبصر، وأذن واعية، وعين متفتحة، كقوله تعالى فيما سبق من سورة الحج ( ٤٦ ) : أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . وأحيانا يدعو إلى النظر فيها للتعرف على ما أودعه في طياتها من أسرار الخلق وبدائع المخلوقات، وخزائن الملك والملكوت، كقوله تعالى فيما سبق من سورة الأعراف : أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء ( الآية : ١٨٥ ). وقوله تعالى فيما سبق من سورة العنكبوت : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ( الآية : ٢٠ )، وأحيانا يدعو إلى التنقل في الأرض والسير فيها للبحث عن وسائل العيش وطلب الرزق، كقوله تعالى فيما يأتي من سورة الجمعة : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله ، وأحيانا يدعو إلى السير في الأرض والنظر فيما تعاقب عليها من عمارة وخراب، وحضارات عظمى لم يحسن أهلها الخلافة عن الله في الأرض، فكان تدميرهم وتدمير حضارتهم أعدل جزاء وأوفى عقاب، كقوله تعالى فيما سبق من سورة النمل : قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين ( الآية : ٦٩ )، وقوله تعالى في بداية هذا الربع من سورة الروم : أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم .
ثم يعقد كتاب الله مقارنة بين الحال التي وجد الإسلام عليها الناس عند نزول القرآن، والحالة التي عرفتها البشرية قبل ذلك، في القرون الخالية والأمم البائدة، مشيرا إلى أن الحضارات السابقة كانت أقوى، وأن الأرض كانت أكثر ازدهارا وعمرانا، لكن لما أساء أهلها التصرف فيما آتاهم الله من قوة وثروة وعمران، ولم يهتدوا بالمنهج الإلهي في تدبير شؤونهم، ورموا بكتب الله ورسالاته عرض الحائط، أفلت من يدهم الزمام، وحكم عليهم لسان القدرة بالإعدام، وذلك قوله تعالى في نفس السياق : كانوا أشد منهم قوة، وأثاروا الأرض ، أي حرثوها واستثمروها إلى أقصى حد، وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات، فما كان الله ليظلمهم، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون( ٩ ) ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى ، ولما كانت السوأى ( وهي تأنيث الأسوأ ) هي عاقبة الذين أساؤوا كانت الحسنى ( وهي تأنيت الأحسن ) هي عاقبة الذين أحسنوا، كما قال تعالى في حقهم : للذين أحسنوا الحسنى .
وبين كتاب الله السبب فيما نال الذين أساؤوا من عقاب ودمار، فقال : أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون١٠ .
وقد أكد كتاب الله هذه المعاني مجتمعة مرة أخرى عند قوله تعالى فيما يأتي من سورة غافر ( ٨٢ ) : أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم، كانوا أكثر منهم، وأشد قوة وآثارا في الأرض، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون . ثم قال تعالى : الله يبدأ الخلق ثم يعيده، ثم إليه ترجعون( ١١ ) ، ومما يدخل تحت هذا المعنى ويتصل به أوثق اتصال قوله تعالى في آية أخرى ( ١٣٣ : ٤ ) : إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ، وقوله تعالى في آية ثانية ( ٣٣٣ : ٦ ) : إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ، وقوله تعالى في آية ثالثة ( ١٦ : ٣٥ ) : إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري