ﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱ

ثم ينتقل السياق إلى آيات كونية فيقول سبحانه :
لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( ٢٦ )
بعد أن سجّل الله تعالى عليهم اعترافهم وشهادتهم بأنه سبحانه خالق السموات والأرض، أراد سبحانه أن يبين لنا أن السموات والأرض ظرف لما فيهما، وفيهما أشياء كثيرة، منها ما نعرفه، ومنها ما لا نعرفه، والمظروف دائما أغلى من المظروف فيه، فما في ( المحفظة ) من نقود عادة أغلى من المحفظة ذاتها، وما في الخزانة من جواهر وأموال أو أوراق هامة أنفس من الخزانة وأهم.
لذلك قلنا : إياك أن تجعل كتاب الله حافظة لشيء هام عندك، لأنه أغلى من أي شيء فينبغي أن نحفظه، لا أن نحفظ فيه.
وكان في الآية إشارة إلى أنهم كما أقروا لله تعالى بخلق السموات والأرض ينبغي أن يقروا كذلك بأن له سبحانه ما فيهما، وهذه مسألة عقلية يهتدي إليها كل ذي فكر سليم، فما دامت السموات والأرض لله، فله ما فيهما، وهب أن لك قطعة أرض تمتلكها، ثم عثرت فيها على شيء ثمين، إنه في هذه الحالة يكون ملكك شرعا وعقلا.
وينبغي للعاقل أن يتأمل هذه المسألة : لله تعالى ما في السموات وما في الأرض، ومن هذه الأشياء الإنسان الذي كرّمه الله، وجعله سيدا لجميع المخلوقات وأعلى منها، بدليل أنها مسخرة لخدمته : الحيوان والنبات والجماد، فهل يصح أن يكون الخادم أعظم من سيده أو أطول عمرا منه ؟
فعلى العاقل أن يتأمل هذه المسألة، وأن يستعرض أجناس الكون ويتساءل : أيكون الجماد الذي يخدمني أطول عمرا مني ؟
إذن : لا بد أن لي حياة أخرى تكون أطول من حياة الشمس والقمر وسائر الجمادات التي تخدمني، وهذا لا يكون إلا في الآخرة حيث تنكدر الشمس، وتتلاشى كل هذه المخلوقات ويبقى الإنسان.
إذن : أنت محتاج لما في الأرض ولما في السماء من مخلوقات الله، وبه وحده سبحانه قوامها مع أنه سبحانه غني عنها لا يستفيد منها بشيء، فالله سبحانه خلق ما هو غني عنه ؛ لذلك يقول : إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( ٢٦ ) [ لقمان ] لأنه سبحانه بصفات الكمال خلق، فلم يزده الخلق صفة كمال لم تكن له، فهو محي قبل أن يوجد من يحييه، معز قبل أن يوجد من يعزه.
وقلنا : إنك لا تقول فلان شاعر لأنك رأيته يقول قصيدة، بل لأنه شاعر قبل أن يقولها، ولولا أنه شاعر ما قال.
فمعنى إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ.. ( ٢٦ ) [ لقمان ] أي : الغني المطلق، لأن له سبحانه كل هذا الملك في السموات وفي الأرض، بل جاء في الحديث القدسي أن السماء والأرض بالنسبة لملك الله تعالى كحلقة ألقاها ملق في فلاة، فلا تظن أن ملك الله هو مجرد هذه المخلوقات التي نعلمها، رغم ما توصّل إليه العلم من الهندسة وحساب المسافات الضوئية.
فالله سبحانه هو الغني الغنى المطلق، لأنه خلق هذا الخلق وهو غني عنه، ثم أعطاه لعبيده وجعله في خدمتهم، فكان من الواجب لهذا الخالق أن يكون محمودا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ ( ٢٦ ) [ لقمان ] وحميد فعيل بمعنى محمود، وهو أيضا حامد كما جاء في قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ( ١٥٨ ) [ البقرة ] لكن، شاكر لمن ؟
قالوا : إذا كان العبد يشكر ربه، وقد علمه الله : أن الذي يحييك بتحية ينبغي عليك أن تحييه بأحسن منها، فربك يعاملك هذه المعاملة، فإن شكرته يزدك، فهذه الزيادة شكر لك على شكرك لربك. أي : مكافأة لك.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير