وقد افتتح كتاب الله هذه السورة الكريمة بتمجيد الله والثناء عليه، تلقينا لعباده المؤمنين، حتى يقدروا الله حق قدره، ويلتزموا طاعته والوقوف عند نهيه وأمره، مبينا أن أحق من يحمده العباد ويعبدونه هو المنعم عليهم بنعمة الإيجاد ونعمة الأمداد، خالق الأرض والسماء، وما فيهما من جمادات وأحياء، ومرسل الملائكة إلى الرسل والأنبياء، لهداية الإنسانية جمعاء، وذلك قوله تعالى : بسم الله الرحمان الرحيم. الحمد لله فاطر السماوات والأرض ، أي : خالقهما، جاعل الملائكة رسلا ، أي : بينه وبين الأنبياء، كما قال تعالى في آية أخرى ( ٥١ : ٤٢ )، أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، إنه علي حكيم ، أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ، أي : رسلا لتبليغ الأوامر الإلهية، وتنفيذ مقتضياتها في العوالم العلوية والسفلية، وما يعلم جنود ربك إلا هو ( ٣١ : ٧٤ )، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير( ١ ) ، أي : إن الله تعالى يفعل ما يشاء ويختار، لا تحد قدرته حدود، ولا تقيد مشيئته قيود، فعملية الخلق لا تنقطع على مر الأيام، وخلقه قابل للزيادة والتطور على الدوام، ومن ذلك ما تتمايز به الأفراد والأقوام، رغم اشتراكها مع غيرها في التكوين العام، قال جار الله الزمخشري عند تفسير قوله تعالى هنا : يزيد في الخلق ما يشاء :( والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال وصورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأن في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك، مما لا يحيط به الوصف ).
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري