ﮂﮃﮄﮅﮆﮇ

قوله : وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ تقدم في هود١ تشديد «لمَّا » وتخفيفها والكلام في ذلك، وقال ابن الخطيب في مناسبة وقوع «لما » المشددة موقع «إلا » : إن لما كأنَّهَا حَرْفا نفي جمعاً وهما :«لَمْ » و «مَا » فتأكد النفي وإلا كأنها حرفا نفي :«إن ولاَ » فاستعمل أحدهما مكان الآخر انتهى٢. وهذا يجوز أن يكون أخذه من قول الفراء في " إلا " في الاستثناء إنها مركبة من «إنْ ولاَ » إلا أنَّ الفراء جعل " إنْ " مخففة من الثقيلة وجعلها نافية٣ وهو قول ركيك رَدَّهُ عليه النحويون٤. وقال الفراء أيضاً إنّ لما هذه أصلها لَمْمَا فخففت بالحذف وتقديم هذا كله مُوَضِّحاً.
و «كل » مبتدأ و «جميع » خبره و «مُحْضَرُونَ » خبر ثان لا يختلف ذلك سواء شددت «لما » أم خففتها٥، لا يقال : إن جميعاً تأكيد لا خبر ( لأن )٦ «جميعها » هنا فَعِيل بمعنى مفعول أي : مجموعون فكل يدل على الإحاطة والشمول وجميع يدل على الاجتماع فمعناها حمل على لفظها٧ كما في قوله : جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ [ القمر : ٤٤ ] وقدم «جميع » في الموضعين لأجْل الفَوَاصِل٨ و «لَدَيْنا » متعلق «بمُحْضَرُونَ »٩. فمن شدد١٠ «فلما » بمعنى إلا وإنْ نافية كما تقدم والتقدير : ومَا كُلُّ إلاَّ جميعٌ١١، ومن خفَّفَ «فَإنْ » مخففة ( من الثقيلة ) واللام فارقة وما مزيدة١٢. هذا قول البصريين١٣. والكوفيون يقولون : إنَّ «إنْ » نافية واللام بمعنى١٤ إلا كما تقدم مراراً.

فصل :


لما بين الإهلاك١٥ بين أن من أهْلَكَهُ ليس بتارك له بل بعده جمع وحبس وحساب وعقابٌ ولو أن من أهلك ترك لكان الموت راحةً ونعْمَ ما قال القائل :
٤١٧٩- ولو أنّا إذا ما متْنَا تُرِكْنَا. . . لَكَانَ المَوْتُ رَاحَة كُلِّ حَيِّ
وَلكِنَّا إِذا مِتْنا بُعِثْنا. . . وَنُسْأَلُ بَعْدَهَا عَنْ كُلِّ شَيِّ
قال الزمخشري : إن قال قائل١٦ :«كل وجميع » بمعنى واحد فكيف جعل جميعاً خبراً ل «كلّ » حيث أدخل اللام عليه إذ التقدير : وإن كل لجميعٌ ؟ نقول معنى :«جميع » مجموع ومعنى :«كل » أي كل فرد مجموع مع الآخر مضموم إليه ويمكن أن يقال :«مُحْضَرُونَ » يعني١٧ كما١٨ ذكره وذلك لأنه لو قال : وإن جميع لجميع محضرون لكان كلاماً صحيحاً. قال ابن الخطيب : ولم يوجد ما ذكره من الجواب بل الصحيح أنَّ مُحْضَرُونَ كالصفة للجمع فكأنه قال : جميعٌ جميعٌ١٩ محضرون كما نقُول : الرجلُ رجلٌ عالم والنبيُّ نبيُّ مرسل. والواو في «وَإنْ كُلّ » يعطف على الحكاية كأنه يقول : بَيَّنْتُ لك ما ذكرت وأبين أن كُلاًّ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ٢٠.
١ عند قوله تعالى: وإن كلا لما ليوفينهم ربك أعمالهم من الآية ١١١ وبين هناك أن نافعا وابن كثير وأبا عمرو والكسائي قرأوا بتشديد: "لما" والباقون بالتخفيف وشدد "إن" ابن عامر وحفص وحمزة وخفف "إن" نافع وابن كثير، وشددها وحدها أبو عمرو والكسائي وقرأ الزهري وسليمان بن أرقم وأن كلا لما بتنوين كل ولما بمعنى وإن كلا ملمومين أي مجموعين. وقرأ أبي: وإن كل لما على أن إن نافية ولما بمعنى إلا. وكما قرىء: وإن كلا تخفيف إن من الثقيلة، ونست لأبي وإن كل لما بتخفيف الميم وفتح الكاف..
٢ تفسيره ٢٦/٦٤ و ٦٥..
٣ وهو أحد وجهيه في المعاني ٢/٣٧٧ في تشديد وتخفيف "لما" قال: والوجه الآخر من التثقيل أن يجعلوا "لما" بمنزلة إلا مع "إن" خاصة فتكون في مذهبها بمنزلة إنما إذا. وضمت في معنى إلا كأنها "لم" ضمت إليها"ما" فصارا جميعا استثناء وخرجتا من حد الجحد. ثم يقول: ونرى أن قول العرب "إلا" إنما جمعوا بين "إن" التي تكون جحدا –أي نفيا- وضموا إليها "لا" فصارا جميعا حرفا واحدا وخرجا من حد الجحد إذ جمعتا فصارتا حرفا واحدا..
٤ وجدت في المغني لابن هشام ٢٨٢ قولا بهذا المعنى ولم يعقب عليه، قال: وأما قراءة أبي بكر بتخفيف "إن" وتشديد "لما" فتحتمل وجهين:
أحدهما: أن تكون مخففة من الثقيلة ويأتي في "لما" تلك الأوجه.
والثاني: أن تكون إن نافية و "كل" مفعول بإضمار أرى وما بمعنى إلا. وقد قال الفراء: "وأما من شدد لما فإنه- والله أعلم- أراد لمن ما ليوفينهم- هود آية ١١١- فلما اجتمعت ثلاث ميمات حذفت واحدة فبقيت اثنتان" المعاني ٢/٢٩، وقال في تلك السورة: " وإن كل لمن ما جميع ثم حذفت إحدى الميمات لكثرتها". المعاني ٢/٣٧٧..

٥ قاله السمين في الدر ٤/٥١٣..
٦ سقط من نسخة "ب"..
٧ هذا قول الزمخشري في الكشاف مع تغيير في بعض الكلم بالزيادة والتوضيح ٣٠٠/٣٢١..
٨ البحر المحيط ٧/٣٣٤ والدر المصون ٤/٥١٣..
٩ السابق..
١٠ التشديد لحفص وابن عامر وعاصم. وهي سبعية متواترة. الإتحاف ٣٦٤ والسبعة ٣٣٩و ٣٤٠..
١١ قاله ابن الأنباري في البيان ٢/٢٩٤ والنحاس في الإعراب ٣/٣٩٣ نقلا عن سيبويه ومكي في المشكل ٢/٢٢٥ وأبو البقاء في التبيان ٧١٦ والزمخشري في الكشاف ٣/٣٢١ وأبو حيان في البحر ٧/٣٤..
١٢ فكل مبتدأ وجميع الخبر وانظر: المشكل ٢/٢٢٥ والإعراب ٤/٣٩٣ والبيان ٢/٢٩٤ والكشاف ٣/ والتبيان ٧١٦ والبحر ٧/٣٣٤..
١٣ انظر: المراجع السابقة..
١٤ قال أبو إسحاق الزجاج في المعاني ٤/٢٨٦: من قرأ بالتخفيف "لما" فما زائدة مؤكدة والمعنى إن كل لجميع لدينا محضرون ومعناه: وما كل إلا جميع لدينا. ويقرأ لما بالتشديد ومعنى ههنا إلا، تقول:"سألتك لما فعلت". وقد نقلت رأي الفراء منذ قليل من المعاني ٢/٣٧٦ و٣٧٧. وقد صرح الفراء في مكان آخر بأن اللام قد تكون بمعنى إلا فقال: ومعنى إن ضربت لزيدا كمعنى قولك: " ما ضربت إلا زيدا". انظر: المعاني ٢/٣٩٥..
١٥ الرازي ٢٦/٦٥..
١٦ الكشاف ٣/٣٢١..
١٧ في "ب" يغني..
١٨ في "ب" عما ذكره..
١٩ كذا هنا جمع جميع وفي الرازي: جميع جميع..
٢٠ السابق..

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية