وقرأ الحسن: " إِنَّهُم " بالكسر على الاستئناف.
لاَ يَرْجِعُونَ: لا يعودون بعد موتهم وهلاكهم.
قوله (تعالى ذكره): وَإِن كُلٌّ لَّمَّا جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ إلى كقوله: فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ.
أي: الكل محضرون يوم القيامة.
و" ما " زائدة عند أبي عبيدة، والتقدير: وإن كل الجميع محضرون.
و" إِنْ " مخففة من الثقيلة، وكل مبتدأ، (والجميع) الخبر.
ويجوز/ أن يكون جميع بدلاً من ما، أو نعتاً لها، والتقدير: وإن كل لخلق أو لبشر جميع، وحسن كون " ما " لذلك لأن من يعقل وما لا يعقل أن يحضر يوم القيامة منه بهيمة وإنسان.
ومن شدد فهي بمعنى إلا، حكى سيبويه: سألتك بالله لّما فعلت، بمعنى: إلا فعلت.
وأنكر الكسائي هذا.
وقال الفراء: المعنى لِمَنَ مَا جميع، ثم أدغم وحذفت إحدى الميمات تخفيفاً كما يقال: " عَلْمَاءِ بنو فلان). فيحذفون ويدغمون، والأصل: عَلَى المَاءِ.
ثم قال (تعالى): وَآيَةٌ لَّهُمُ الأرض الميتة أَحْيَيْنَاهَا أي: دلالة لهؤلاء المشركين على قدرة الله وتوحيده: إحياؤنا للأرض الميتة بالمطر، وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ.
ثم قال: وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ أي: في الأرض التي أُحْيِيَتْ بالمطر، وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ العيون أي: عيون الماء ليشربوا منها ويسقموا ثمارهم.
ثم قال: لِيَأْكُلُواْ مِن ثَمَرِهِ الهاء في ثمره تعود على ماء العيون، لأن الثمر من الماء اندرج وتَكَوَّنَ، فأضيف إليه، أي: فعلنا لهم ذلك ليأكلوا ثمرة النخيل والأعناب. ووحد الثمر في قوله ثَمَرِهِ فوحد الضمير، لأن العرب تأتي بالاثنين وتقتصر على خبر أحدهما.
ومن فتح الثاء جعله جمع ثَمَرَةٍ وثَمَرٍ كَخَشَبَةٍ وَخَشَبٍ.
ومن ضم جمع ثمرة على ثمار، ثم جمع ثماراً على ثُمُرٍ كحمار وحُمُرٍ، ويجوز أن يكومن جمع ثمرة أيضاً كخشبة وخشب.
وقوله (تعالى): وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أي: ومن ثمر الذي عملته أيديهم، يعني الذي غرسوا وزرعوا.
ويجوز أن تكون " ما " نافية، أي لم يعمل ذلك الذي أحياه المطر أيديهم.
ومن حذف الهاء في " عملته " جعل " ما " والفعل مصدراً، او نافية، أو بمعنى الذي لا غير.
ومن أثبتها جعلها بمعنى الذي لا غير.
أَفَلاَ يَشْكُرُونَ أي: يشكر هؤلاء على هذه النعم.
ثم قال (تعالى): سُبْحَانَ الذي خَلَق الأزواج كُلَّهَا (أي): تنزيهاً وتبرئة لله جل ذكره مما يضيف إليه هؤلاء المشركون من الشركاْ، وهو الذي خلق الألوان كلها والأجناس كلها من نبات الأرض.
وَمِنْ أَنفُسِهِمْ، أي: وخلق من أولادهم ذكوراً وإناثاً.
وَمِمَّا لاَ يَعْلَمُونَ، أي: وخلق أجناساً من الأشياء التي لم يطلعهم الله عليها.
ثم قال (تعالى): وَآيَةٌ لَّهُمُ اليل نَسْلَخُ مِنْهُ النهار، أي: وعلامة أيضاً لهم على قدرة الله وتوحيده: الليل ينزع منه ضياء النهار.
وَمِنْ هنا بمعنى (عن)، أي: ينزع عنه ضياء النهار، ومثله:
فانسلخ مِنْهَا [الأعراف: ١٧٥] أي/: عنها وتركها.
وقوله: فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ أي: صاروا في ظلمة.
وقال قتادة: معناه: يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
وهذا بعيد في التأويل ليس هذا موضعه ولا يدل عليه الكلام. وحقيقة سلخت: أزلت الشيء من الشيء وخلصته منه حتى لم يبق منه شيء.
ثم قال: والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا أي: لموضع قرارها.
قال القتبي: مستقرها أقصى منازلها في الغروب لا تتجاوزه، يعني إلى أبعد مغاربها ثم ترجع.
وروى أبو ذر أن النبي ﷺ قال: " عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يَا أَبَا ذَرّ أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ الشَّمْسُ؟ فقلت: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ، إِنَّهَا تَذْهَبُ فَتَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهَا جَلَّ ثَنَاؤُهْ ثُمَّ تَسْتَأْذِنُ بِالرُّجُوعِ فَيُؤْذَنُ لَهَا، وَكَأَنَّها قَدْ قِيْلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتِ،
فَتَطْلَعُ مِنْ مَكَانِهَا وَذَلِكَ مُسْتَقَرُّها ".
وروى أبو ذر أيضاً قال: " سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى: والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا فقال: مستقرها تحت العرش ".
قال قتادة: لمستقرها وقت واحد لا تعدوه.
وقيل: المعنى: (إنها) تجري إلى أبعد منازلها في الغروب ثم ترجع فلا تتجاوزه، وذلك أنها لا يتزال تتقدم كل ليلة حتى تنتهي إلى أبعد مطالعها ثم ترجع.
وعن أبي ذر قال: " قُلْتُ (يا) رَسُولَ الله والشمس تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ/ لَّهَا قَالَ: بَيْنَ يَدَيْ العَرْشِ ".
وروي عن ابن عباس أنه قرأ: " لا مُسْتَقَرُّهَا "، على معنى: هي جارية لا تثبت في موضع واحد: أي هي كل ليلة في موضع لا تكون فيه في الليلة التي تليها تتقدم أو تتأخر.
ثم قال: ذَلِكَ تَقْدِيرُ العزيز العليم أي: هذا الذي تجري عليه الشمس من التقدير، هو تقدير العزيز في انتقامه العليم بمصالح خلقه.
ثم قال (تعالى): والقمر قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ [أي: وآية لهم القمر قدرناه منازل.
وقيل: التقدير: قدرنا له منازل، ثم حذفت اللام واتصل الضمير، كمنزلة: " كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ " [المطففين: ٣]، والمعنى: قدرناه منازل في النقص والزيادة
والتمام، فهو منذ يطلع كل ليلة في منزلة - ومنازله ثمانية وعشرون منزلة (معروفة) - ثم يستتر ليلتين فلا يُرى.
حتى عَادَ كالعرجون أي: في النقص كالعذق اليابس من القدم لأن العذق كلما قدم يبس وتقوس وانحنى، ولا يوجد مستوياً أبداً لا أخضر ولا يابس، فكذلك القمر في آخر الشهر ينقص ويتقوس وينحني. هذا قول ابن عباس وقتادة والحسن وغيرهم.
والعِذق بكسر العين هو الكِبَاسَة والقنو. وأهل مصر يسمونه
الإسْبَاطَة.
والعَذَقُ بفتح العين هو النخلة.
ثم قال (تعالى): لاَ الشمس يَنبَغِي لَهَآ أَن تدْرِكَ القمر أي: لا ينبغي ولا يمكن للشمس أن تدرك القمر فيذهب ضوؤه بضوئها (فتكون الأوقات كلها نهاراً.
وَلاَ اليل سَابِقُ النهار أي: ليس يفوته بظلمته). فتكون الأوقات كلها مظلمة ليلاً. وفي هذا - لو كان - إبطال التدبير الذي بنيت عليه الدنيا، ألا ترى أن الدنيا إذا ذهبت، وزال تدبير الشمس والقمر جمع بينهما. قال الله جل ذكره في حال يوم القيامة: وَجُمِعَ الشمس والقمر [القيامة: ٩]، ففي جمعهما زوال تدبير الدنيا بنهار بعد ليل وليل بعد نهار، فليس في الآخرة ليل يدخل على النهار، ولا شمس ولا قمر، وذلك تدبير أخر، تبارك الله أحسن الخالقين.
قال الضحاك: معناه: إذا طلعت الشمس لم يكن للقمر ضوء، وإذا طلع القمر لم
يكن للشمس ضوء. وهو معنى قول ابن عباس.
قال قتادة: لِكُلِّ (حد) وعلم لا يعدوه ولا يقصر دونه، إذا جاء سلطان هذا ذهب هذا.
وعن ابن عباس في الآية: إذا اجتمعا في السماء كان أحدهما بين يدي الآخر، وإذا غابا غاب أحدهما بين يدي الآخر.
وقيل: المعنى: إن القمر في السماء الدنيا والشمس في السماء الرابعة فلا يدرك أحدهما الآخر.
وقيل: المعنى: إن سير القمر سير سريع، والشمس سيرها بطيء فهي لا تدركه.
وَسُئِلَ ابن عمر، فقيل له: ما بال الشمس تصلانا أحياناً، وتبرد أحياناً؟ فقال: أما في الشتاء فهي في السماء السابعة تحت عرش الرحمن، وأما في الصيف فهي في السماء الخامسة، قيل له: ما كنا نظن إلا أنها في هذه السماء، قال: لو كانت كذلك ما قام لها
الهداية الى بلوغ النهاية
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي