هذه جهنم التي كنتم توعدون اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون قوله عز وجل: اليوم نختم على أفواههم فيه وجهان: أحدهما: أن يكون منعها من الكلام هو الختم عليها. الثاني: أن يكون ختماً يوضع عليها فيرى ويمنع من الكلام. وفي سبب الختم أربعة أوجه: أحدها: لأنهم قالوا والله ربنا ما كنا مشركين فختم الله تعالىعلى أفواههم حتى نطقت جوارحهم، قاله أبو موسى الأشعري. الثاني: لِيَعرفهم أهل الموقف فيتميزون منهم، قاله ابن زياد. الثالث: لأن إقرار غير الناطق أبلغ في الإلزام من إقرار الناطق لخروجه مخرج الإعجاز وإن كان يوماً لا يحتاج فيه إلى الإعجاز. الرابع: ليعلم أن أعضاءه التي كانت لهم أعواناً في حق نفسه صارت عليه شهوداً في حق ربه.
صفحة رقم 27
وتُكلِّمنا أيديهم وتشهدُ أرجلهم بما كانوا يكسبون وفي كلامها ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه يظهر منها سِمة تقوم [مقام] كلامها كما قال الشاعر:
| (وقد قالت العينان سمعاً وطاعة | وحَدَّرنا كالدر لما يثَقّبِ) |
ميامن الأعضاء أقوى منها في مياسرها، فلذلك تقدمت اليسرى على اليمنى لقلة شهوتها. قوله عز وجل: ولو نشاءُ لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصِّراطَ فيه وجهان: أحدهما: لأعمينا أبصار المشركين في الدنيا فضلوا عن الطريق فلا يبصرون عقوبة لهم، قاله قتادة. الثاني: لأعمينا قلوبهم فضلوا عن الحق فلم يهتدوا إليه، قاله ابن عباس. قال الأخفش وابن قتيبة: المطموس هو الذي لا يكون بين جفنيه شق مأخوذ من طمس الريح الأثر. ولو نشاء لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَى مَكَانَتِهِمْ فيه ثلاث تأويلات: أحدها: لأقعدناهم على أرجلهم، قاله الحسن وقتادة. الثاني: لأهلكناهم في مساكنهم، قاله ابن عباس. الثالث: لغيّرنا خلْقهم فلا ينقلبون، قاله السدي. فما استطاعوا مُضِيّاً ولا يرجعون فيه وجهان: أحدهما: فما استطاعوا لو فعلنا ذلك بهم أن يتقدموا ولا يتأخروا، قاله قتادة. الثاني: فما استطاعوا مُضِيّاً في الدنيا، ولا رجوعاً فيها، قاله أبو صالح.
صفحة رقم 29النكت والعيون
أبو الحسن علي بن محمد بن محمد البصري الماوردي الشافعي
السيد بن عبد الرحيم بن عبد المقصود