تمهيد :
تختم سورة يس بهذه الآيات التي تدل على عظمة الخالق وجليل قدرته، فهو قد خلق الإنسان من منى يمنى، وجعله سميعا بصيرا، لكن هذا الإنسان تحول إلى مجادل واضح الخصومة، حيث يأخذ العظام البالية فيفتتها، ويستدل بذلك على عدم إمكان البعث، وقد رد عليه القرآن بأن الذي خلق الإنسان أول مرة، قادر على إعادته عند البعث، إذ كل من أوجد عملا تكون إعادته أهون عليه، ثم ذكر بعض أمثلة القدرة ومنها استخلاص النار من الشجر الأخضر، وخلق السماوات والأرض، ومن قدر على خلق الأكبر يكون قادرا على خلق الأهون.
وفي الختام يبين القرآن أن جميع ما في الكون يطيع الله إطاعة المأمور للآمر، بلا توقف ولا افتقار إلى مزاولة عمل، ولا استعمال آلة.
٧٩- قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .
قل أيها الرسول لهذا السائل القائل : من يحي العظام وهي رميم . قل له : يحيها الذي خلقها أول مرة، ولم تكن شيئا، وهو العليم بالعظام وأين تفرقت في سائر أقطار الأرض، وأين ذهبت ؟ لا يخفى عليه شيء من أمر خلقه، وهو القدير على جمع هذا الرفات وبعث الحياة فيه.
قال تعالى : كما بدأنا أول خلق نعيده... [ الأنبياء : ١٠٤ ].
وكان الفارابي الفيلسوف المسلم يقول : وددت لو أنّ أرسطو وقف على القياس الجلي في قوله تعالى : قل يحييها الذي أنشأها أول مرة... " وهو الله تعالى، أنشأ العظام وأحياها أوّل مرة، وكل من أنشأ شيئا أولا قادر على إنشائه وإحيائه ثانيا ؛ فيلزم أن الله عز وجل قادر على إنشائها وإحيائها بقواها ثانيا ". ا ه.
وهو بل خلق عليم .
وهو بكل مخلوق واسع العلم، ولهذا يعلم من كل إنسان صفاته التي كان عليها في الدنيا، وتفاصيل أجزائه وأوضاعها ؛ فيعيد كل ذلك على النمط الذي كان عليه.
قال تعالى : كما بدأكم تعودون . [ الأعراف : ٢٩ ].
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة