عالم الغيب والشهادة : العالم الظاهر والخفي أو الحاضر والمستقبل والشهادة تعني الحاضر أو الظاهر.
تحكم : تقضي.
والآيتان متصلتان بما سبقهما اتصال سياق وموضوع كما هو واضح، وقد انطوى فيهما تبكيت على سخف المشركين وضلالهم في موقفهم بعد أن لزمتهم الحجة التي كان من مظاهرها إظهار عجز الشركاء عجزا مطلقا في كل شيء. كما انطوى فيهما تثبيت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وإشعار بالوثوق والاستعلاء في موقفه من المشركين.
وجملة الذين لا يؤمنون بالآخرة كوصف للمشركين تنطوي على توكيد كون موقفهم ناشئا عن عدم إيمانهم بالآخرة، وبعبارة أخرى عن عدم خوفهم من العواقب بعد الموت. وقد تكرر هذا أكثر من مرة. ومرت أمثلة منه. ؟ وينطوي فيه حكمة من حكم الله عز وجل في الحياة الأخروية والإنذار القرآني المستمر بها ؛ لأن الخوف منها يجعل الإنسان يرعوي عن موقف الإثم والضلال والانحراف.
ولقد روى البغوي في سياق الآية الثانية أن عائشة قالت :( إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يفتتح صلاة الليل بقوله : اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ). وأورد ابن كثير في سياقها حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال :( قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : من قال اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك وأن محمدا عبدك ورسولك فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد إلا قال عز وجل لملائكته يوم القيامة : إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه فيدخله الله الجنة ). وحديثا آخر رواه الإمام أحمد عن أبي راشد الحبراني قال :( أتيت عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما فقلت له حدثنا ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فألقى بين يدي صحيفة فقال : هذا ما كتب لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنظرت فيها فإذا فيها أن أبا بكر الصديق قال : يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت ؟ فقال له : قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه أن أقترف على نفسي سوءا أو أجره إلى مسلم ) حيث ينطوي في الأحاديث صورة من صور استلهام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذه الآية في مناجاة ربه في الليل وتعليمه مثل ذلك لأصحابه.
التفسير الحديث
دروزة