يا قوم إنما هذه الحياةُ الدنيا متاعٌ أي : تمتُّع يسير ؛ لسرعة زوالها، فالإخلاد إليها أصل الشر، ومنبع الفتن، ومنه يتشعّب فنون ما يؤدي إلى سخط الله. أَجْمل له أولاً، ثم فَسَّر، فاستفتح بذم الدنيا، وتصغير شأنها، ثم ثنَّى بتعظيم الآخرة، وبيَّن أنها هي الموطن والمستقر بقوله : وإِنَّ الآخرةَ هي دارُ القرارِ ؛ لخلودها، ودوامها، ودوام ما فيها. قال ابن عرفة : التمتُّع بالدنيا مانع من الزهد، وكون الآخرة دار مستقر يقتضي وجود الحرص على أسباب الحصول فيها. ه.
ثم ذكر الأعمال التي تُبعد عنها أو تُقرب إليها، فقال : مَن عَمِلَ سيئةً في الدنيا فلا يُجزَى في الآخرة إِلا مثلَها عدلاً من الله تعالى. قال القشيري : له مثلها في المقدار، لا في الصفة ؛ لأن الأولى سيئة، والمكافأة حسنة ليست بسيئة. ه. وقال ابن عرفة : في توفيه مماثلة العذاب الأبدي على كفر ساعة تتصور المماثلة، إما باعتبار نيته الكفر دواماً، وإما بأن يقال : ليس المراد المماثلة عقلاً، بل المماثلة شرعاً. وفي الإحياء : قال الحسن : إنما خُلِّد أهل الجنة في الجنة، وأهل النار، في النار، بالنية، وهو والله أعلم مقتبس من قوله تعالى : أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ [ إبراهيم : ٤٤ ]. ه. قاله المحشي.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي