وقال ربكم ادعوني قرأ ابن كثير بفتح الياء والباقون بإسكانها قيل معناه أعبدوني دون غير ولما عبر عن العبادة بالدعاء قال موضع أثيبكم استجب لكم والقرينة على أن المراد بالدعاء العبادة وبالاستجابة الإثابة قوله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين أي ذليلين قرأ ابن كثير وأبو جعفر وأبو بكر سيدخلون بضم الياء وفتح الخاء والباقون بفتح الياء وضم الخاء، والظاهر أن المراد بالدعاء والعبادة كليهما السؤال فإن سؤال كل ما يحتاج المرء إليه وعدم التوجه إلى غيره تعالى في شيء من الأمور كمال العبودية والإفتقار الإعتراف بصمديته تعالى عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يسأل أحدكم ربه حاجاته كلها حتى يسأل شسع نعله إذا انقطع " ١ رواه الترمذي، وزاد في رواية عن ثابت البناني مرسلا " حتى يسأل الملح وحتى يسأل شسعه إذا انقطع " عن النعمان بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الدعاء هو العبادة ثم قرأ ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين ٢ رواه أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه في مسانيدهم وقال الترمذي حديث حسن صحيح ورواه ابن شيبة في المصنف والحاكم في المستدرك في صحيحه وابن حبان في صحيحه عنه أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على المنبر فذكر الحديث.
أورد النبي صلى الله عليه وسلم ضمير الفصل والخبر معرفا باللام ويقصد في أمثال ذلك حصر المسند على المسند إليه كما في قوله تعالى : إن الله هو الرزاق ٣ أي لا رازق سواه وقد يقصد قصر المسند إليه على المسند كما في قوله الكرم هو التقوى والحسب هو الإيمان يعني لا كرم إلا التقوى ولا حسب إلا الإيمان، وهاهنا يحتمل المعنيين والحصر إنما هو على سبيل المبالغة ولعل المراد هاهنا أن الدعاء والعبادة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار والمفهوم فإن كل دعاء وسؤال فهو عبادة وطاعة لأن في السؤال ذل وافتقار والعبودية في اللغة إظهار التذلل والافتقار والعبادة أبلغ منها لأنها غاية التذلل ولدا لا يستحقه إلا الله تعالى : وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه ٤ وكل عبادة وطاعة فهو سؤال، حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أكثر دعائي ودعاء الأنبياء قبلي بعرفات لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير " رواه ابن أبي شيبة في المصنف وقال الله تعالى : وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ٥ قال الجزري في النهاية إنما سمى التهليل والتحميد دعاء لأنه بمنزلته في استيجاب ثواب الله وجزائه كالحديث الآخر " إذ اشغل عبدي ثناءه علي عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين "، وروى الترمذي ومسلم " من شغله القرآن عن ذكري ومسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين " ٦ وفي رواية " من شغله القرآن وذكري عن مسألتي " الحديث.
اعلم أن الدعاء منه ما هو فريضة وهو قوله تعالى : اهدنا الصراط المستقيم { ٢ } في الفاتحة في الصلاة أو سنة مؤكدة كالدعاء في القعدة الأخيرة ومواقف الحج وغير ذلك ومنه ما هو حرام أو مكروه وهو قصر السؤال على لذات الدنيا وسؤال ما هو معصية وسؤال ما هو مستحيل أو ما في معناه قال الله تعالى : منهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ٧ وقال الله تعالى : ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ٨ وأما سؤال كل أمر يحتاج إليه العبد في الدنيا والآخرة والاستعاذة من كل شر فمأمور به مستحب بإجماع العلماء، وذهب طائفة من الزهاد إلى أن ترك الدعاء أفضل سلاما للقضاء، وقال طائفة إن دعا للمسلمين فحسن وإن خص نفسه فلا.
والحجة لنا الكتاب والسنة والإجماع عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس شيء أكرم على الله من الدعاء " ٩ رواه الترمذي وقال حسن غريب وابن ماجه والحاكم، وعن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدعاء مخ العبادة " ١٠ رواه الترمذي، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سلوا الله من فضله فإن الله يحب أن يسأل وأفضل العبادة إنتظار الفرج " ١١ رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من لا يسأل الله يغضب عليه " ١٢ رواه الترمذي، وابن حبان والحاكم وقال الترمذي حديث غريب، والمراد من هذه الأحاديث أنه من لم يسأل الله تعالى استكبارا غضب عليه حيث قال الله تعالى : إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وعن أنس قال : قال رسول اله صلى الله عليه وسلم :" لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد " رواه ابن حبان والحاكم، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين ونور السماوات والأرض " رواه الحاكم في المستدرك، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة وما سأل الله شيئا أحب إليه من أن يسأل العافية " رواه الترمذي ورواه الحاكم في المستدرك " فتحت له أبواب الجنة ".
فصل :
فيما وعد عن الاستجابة لمن يدعو الله منها هذا الحديث عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من فتح له فلكم باب الدعاء فتحت له أبواب الإجابة " رواه ابن أبي شيبة، وعن سلمان قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن ربكم حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفر " ١٣ رواه الترمذي وأبو داود والبيهقي في الدعوات الكبيرة، وعن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله إياه بها إحدى ثلاث إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخرها له في الآخرة وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا إذا نكثر، قال الله أكثر " رواه أحمد، وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل يا رسول الله ما الاستعجال ؟ قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم أر يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " ١٤ رواه مسلم، وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء " رواه الترمذي، ورواه أحمد عن معاذ بن جبل وعن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من أحد يدعو بدعاء إلا أتاه الله ما سأل أو كف عنه من السوء مثله ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم " ١٥ رواه الترمذي.
فصل :
فيمن لا ترد دعوته، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاث دعوات مستجابات لاشك فيهن دعوة الوالد ودعوة المسافر ودعوة المظلوم " ١٦ رواه الترمذي وأبو داود وابن ماجه، وعنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاث لا ترد دعوتهم الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها إليه فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " رواه الترمذي، وعن أبي الدرداء قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" دعوة المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة عند رأسه ملك موكل كلما دعاه لأخيه بخير قال الملك المؤكل به آمين ولك بمثله " ١٧ رواه مسلم، وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" خمس دعوات تستجاب لهم دعوة المظلوم حتى ينتصر ودعوة الحاج حتى يصدر دعوة المريض حتى يبرأ ودعوة الأخ لأخيه بظهر الغيب ثم قال وأسرع الدعوات إجابة دعوة الأخ بظهر الغيب " رواه البيهقي في دعوات الكبير، وعن عبد الله بن عمرو قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أسرع الدعاء إجابة دعوة غائب لغائب " رواه الترمذي وأبو داود.
فصل :
في شرائط الاستجابة للدعاء منها تجنب الحرام في المأكل والمشرب والمكسوب، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ١٨ رواه مسلم. ومنها حضور القلب عند الدعاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أدعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب لاه " ١٩ رواه الترمذي وقال هذا حديث غريب، ومنها الجد في الدعاء عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دعا أحدكم فلا يقل اللهم إغفر لي إن شئت ولكن ليعزم وليعظم الرغبة فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه " ٢٠ رواه مسلم.
فصل :
في سنن الدعاء وآدابه : عن فضالة بن عبيد قال بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد إذ دخل رجل فصلى فقال اللهم اغفر لي وارحمني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " عجلت أيها المصلي إذا صليت فقعدت فأحمد الله بما هو أهله وصل علي ثم ادعه، قال ثم صلى رجل آخر بعد ذلك فحمد الله وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" أيها المصلي ادع تجب " ٢١ رواه الترمذي وروى أبو داود والنسائي نحوه، وعن ابن مسعود قال كنت أصلي والنبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر معه فلما جلست بدأت بالثناء على الله ثم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم دعوت لنفسي فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" سل تعطه " رواه الترمذي، وعن عمر بن الخطاب قال :" إن الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد منه شيء حتى تصلي على نبيك " رواه الترمذي، وعن مالك بن يسار قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها، وفي رواية ابن عباس " سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم " ٢٢ رواه أبو داود، وعن عمر قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا رفع يديه في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه " رواه الترمذي، وعن عائشة قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الجوامع من الدعاء ويدع ما سوى ذلك، رواه أبو داود، وعن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في الدعاء حتى يرى بياض إبطيه، وعن السائب بن يزيد عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دعا رفع يديه مسح وجهه بيديه، رواه البيهقي في الدعوات الكبير، وعن عكرمة عن ابن عباس قال المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك أو نحوهما، رواه أبو داود، وعن ابن عمر أنه يقول إن رفعكم أيديكم بدعة ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا يعني إلى الصدر، رواه أحمد، وعن أبي بن كعب قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذكر أحدا فدعاه بدأ بنفسه، رواه الترمذي وقال هذا حديث حسن غريب صحيح.
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة البقرة ٢٩٦٩، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء ١٤٧٨، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الدعاء، باب: فضل الدعاء ٣٨٢٨..
٣ سورة الذاريات، الآية: ٥٨..
٤ سورة الإسراء، الآية: ٢٣..
٥ سورة يونس، الآية: ١٠..
٦ أخرجه الترمذي في كتاب: فضائل القرآن ٢٩٢٦..
٧ سورة البقرة، الآية: ٢٠٠..
٨ سورة النساء، الآية: ٣٢..
٩ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء في فضل الدعاء ٣٣٧٠، وأخرجه ابن ماجه في كتاب: الدعاء، باب: فضل الدعاء ٣٨٢٩..
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ٣٣٧١، وقد ضعف من أجل ابن لهيعة..
١١ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٥٧١،.
١٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٣٧٣..
١٣ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٥٥٦، وأخرجه أبو داود في كتابك الصلاة، باب: الدعاء ١٤٨٧..
١٤ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: بيان أنه يستجاب للداعي ما لم يعجل فيقول دعوت فلم يستجب لي ٢٧٣٥..
١٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات، باب: ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ٣٣٨١..
١٦ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة، باب: ما جاء في دعوة الوالدين ١٩١١، وأخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء بظهر الغيب ١٥٣٥..
١٧ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: فضل الدعاء والتوبة، باب: فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب ٢٧٣٣..
١٨ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة، باب: قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها ١٠١٥..
١٩ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٤٧٨..
٢٠ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة، باب: العزم والدعاء ولا يقل إن شئت ٢٦٧٩..
٢١ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات ٣٤٧٧..
٢٢ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة، باب: الدعاء ١٤٨٤..
التفسير المظهري
المظهري