ولما كان صلى الله عليه وسلم بين أظهر المشركين ؛ نهي عن أن يتصف بصفاتهم، فقال :
قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَمَّا جَآءَنِيَ الْبَيِّنَاتُ مِن رَّبِّي وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُواْ أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُواْ شُيُوخاً وَمِنكُمْ مَّن يُتَوَفَّى مِن قَبْلُ وَلِتَبْلُغُواْ أَجَلاً مُّسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ .
يقول الحق جلّ جلاله : قُل إِني نُهيتُ أن أعبدَ الذين تدعونَ أي : تعبدون من دون الله ولم يكن عَبَدَها قط، لَمَّا جاءنيَ البيناتُ من ربي ؛ من الحُجَج العقلية، والآيات التنزيلية.
قال الطيبي : معرفة الله تعالى ووحدانيته معلومتان بالعقل، وقد ترد الأدلة العقلية في مضمون السمعية، أما وجوب عبادة الله، وتحريم عبادة الأصنام، فحُكْمٌ شرعي ؛ لقوله : قل إني نُهيت أي : حَرُم عليّ، وهذا إنما يتحقق بعد البعثة، خلافاً للمعتزلة في الإيجاب قبل الشرع، للتحسين والتقبيح، والمعنى : أن قضية التقليد تُوجب ما أنتم عليه، ولكني خُصصت بأمر دونكم، كما قال إبراهيم : يَآ أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ. . . [ مريم : ٤٣ ] إلخ كلامه، وأُمرت أن أُسْلِمَ ، أن أنقاد وأُخلص ديني لربِّ العالمين .
قال القشيري : قل يا محمد : إِني نُهيت وأُمرتُ بالتبرِّي مما عبَدتم، والإعراضِ عما به اشتغلتم، والاستسلام للذي خَلَقني، وبالنبوة خصّني. هـ. وكما تتربى النطفة الإنسانية في الرحم، تتربى نطفة الإرادة ـ وهي المعرفة العيانية ـ في القلب، فإذا عقد المريد نكاح الصُحبة مع الشيخ، قذف في قلبه نطفة الإرادة، فما زال يربيها له حتى يخرج عن حس دائرة الأكوان، فهي ولادته طفلاً، ثم لا يزال يحاذيه بهمته حتى يبلغ أشده، وهو كماله، ثم يكون شيخاً مريباً ؛ إن أَذِنَ له. والله تعالى أعلم. تَرَكْتُ لِلنَّاسِ دِينَهُم ودُنْيَاهُم شُغْلاً بِذِكْرِكَ يَا دِيني وَدُنْيَاي
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي