ﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

ثم قيلَ لهم أين ما كنتم تُشركون من دون الله قالوا ضَلُّوا عنا أي : غابوا، وهذا قبل أن يُقرن بهم آلهتهم، أو : ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم، بل لم نكن ندعو من قبلُ شيئاً أي : تبيّن لنا أنهم لم يكونوا شيئاً. أو : يكون إنكاراً منهم، كقولهم : واللهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ [ الأنعام : ٢٣ ]. وهذا كله مستقبل عبّر عنه بالماضي لتحققه. كذلك أي : مثل ذلك الضلال الفظيع يُضل الله الكافرين حيث لا يهتدون إلى شيء ينفعهم في الآخرة، أو : كما ضلّ عنهم آلهتهم يُضلهم الله عن آلهتهم، حتى لو تطالبوا لم يتصادفوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : الأولياء العارفون أهل التربية الكاملة، آية من آيات الله في كل زمان، فيقال في حق مَن يُخاصم في وجوههم، ويتنكّب عن صحبتهم : الذين يُجادلون في آيات الله أنَّى يُصرفون ؟ وهم الذين كذَّبوا بأسرار الكتاب، وعلوم باطنه، وبما أرسل به خلفاء الرسل، ممن يغوص على تلك الأسرار، فسوف يعلمون حين تخاطبهم أغلال الوساوس والخواطر، وسلاسل العلائق والشواغل، فيقبضهم عن النهوض إلى قضاء الشهود والعيان، وجولان الفكرة في أنوار الملكوت وأسرار الجبروت، يُسحبون في حرّ التدبير والاختيار، ثم في نار القطيعة يُسْجَرون، ثم قيل لهم إذا ماتوا : أين ما كنتم تُشركون في المحبة والميل من دون الله ؟ قالوا : ضلُّوا عنا، وغاب عنهم كل ما تمتعوا به من الحظوظ والشهوات، فيقال لهم : ذلكم بما كنتم تنبسطون في الدنيا في أنواع المآكل، والمشارب، والملابس، والمناكح، وبما كنتم تفتخرون على الناس، فيخلدون في الحجاب، إلا في وقت مخصوص. وبالله التوفيق.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير