ﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

إِذ جاءتْهُمُ : ظرف لمحذوف، أي : أنزلناها بهم حين جاءتهم الرسلُ من بين أيديهم ومن خلفِهِم أي : أتوهم من كل جانب، وعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا الإعراض، أو : جاءتهم الرسل قبلهم لآبائهم، وبعدَهم لِمَن خلفهم، أي : تواردت عليهم الرسل قديماً وحديثاً، والمعهود إنما هو هود وصالح عليهما السلام وعن الحسن : أنذروهم من وقائع الله بمَنْ قبلهم من الأمم وعذاب الآخرة، ألاَّ تعبدوا إِلا اللهَ أي : بأن لا تعبدوا إلا الله، على أنها مصدرية، أو : لا تعبدوا، على أنها مفسرة، وقيل : مخففة، أي : أنه لا تعبدوا إلا الله. قالوا لو شاء ربُّنا لأنزل ملائكةً أي : لو شاء إرسال الرسل لأرسل ملائكة، ولَمَّا كان إرسالهم بطريق الإنزال عبَّر به، فإِنا بما أُرسلتُم به كافرون أي : فحيث كنتم بشراً مثلنا، ولم تكونوا ملائكة، ولم يكن لكم فضل علينا، فإنا لا نؤمن بكم، ولا بما جئتم به، وقولهم : أُرسلتم به ليس بإقرار بالإرسال، وإنما هو على كلام الرسل، وفيه تهكُّم، كما قاله فرعون : إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشعراء : ٢٧ ] وقولهم : بما أرسلتم به كافرون خطاب منهم لهود وصالح ولسائر الأنبياء، الذين دعوا للإيمان.
رُوي أن أبا جهل قال في ملأ من قريش : قد التبس علينا أمر محمد، فلو التمستم لنا رجلاً عالماً بالشعر والكهانة، فكَلَّمه، ثم أتانا بالبيان من أمره، فقال عُتبة بن ربيعة : والله لقد سمعتُ الشعر والكهانة والسحر، وعلمتُ من ذلك علماً ما يخفى عليَّ، فأتاه، فقال : أنت يا محمد خير أم هاشم ؟ أنت يا محمد خير أم عبد المطلب ؟ أنت خير أم عبد الله ؟ فبمَ تشتم آلهتنا وتضللنا ؟ فإن كنت تريد الرياسة عقدنا لك اللواء، فكنت رئيسنا ما بقيت، وإن كان بك الباءة زوجناك عشر نسوةٍ من أيّ بنات قريش شئتَ، وإن كان بك المال، جمعنا لك ما تستغني به أنت وعقبك. والنبي صلى الله عليه وسلم ساكت، فلما فرغ عتبةُ، قال صلى الله عليه وسلم :" بسم الله الرحمان الرحيم حم تنزيل من الرحمان الرحيم. . . إلى قوله تعالى : مثل صاعقة عاد وثمود "، فأمسك عتبة على فِيه النبيّ صلى الله عليه وسلم وناشده بالرحم، فرجع عتبةُ إلى أهله، ولم يخرج إلى قريش، فلما احتبس عنهم، قالوا : ما نرى عتبة إلا صبأ، فانطلقوا، وقالوا : يا عتبة ؛ ما حبسك عنا إلا أنك صبأت إلى محمد، أم أنك أعجبك طعامه ؟ فغضب، ثم قال لهم : لقد كلمته فأجابني بشيء، والله ما هو شعر، ولا كهانة، ولا سحر، ثم تلى عليهم ما سمع منه إلى قوله : مثل صاعقة عاد وثمود فأمسكتُ بفيه، وناشدته بالرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمداً إذا قال شيئاً لم يكذب، فخفتُ أن ينزل بكم العذاب. ه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : كل مَن أعرض عن الوعظ والتذكار، ونأى عن صُحبة الأبرار ؛ فالصعقة لاحقة به، إما في الدنيا أو في الآخرة. وقوله تعالى : فأما عاد فاستكبروا... الآية : أوصاف العبودية أربعة : الضعف، والذل، والفقر، والعجز، فمَن خرج عن واحد منها، فقد تعدّى طوره، واستحقّ الهلاك والهوان، ورمته رياح الأقدار في مهاوي النيران.
وقوله : وأما ثمود فهديناهم أي : بيَّنا لهم طريق السير إلينا، على ألسنة الوسائط، فحادُوا عنها، واستحبُّوا العمى على الهدى ؛ حيث لم يسبق لهم الهداية في الأزل، فالسوابق تُؤثر في العواقب، والعواقب لا تؤثر في السوابق، فكأن جبلة القوم الضلالة، فمالوا إلى ما جبلوا عليه من قبول الضلالة.
وقوله تعالى : ونجينا الذين آمنوا أي : في الدنيا من الصاعقة، وفي الآخرة من السقوط في الهاوية. قال القشيري : منهم مَن نجَّاهم من غير أن رأوا النار، عَبَروا القنطرةَ ولم يعلموا، وقومٌ كالبرق الخاطف، وهم أعلاهم ـ قلت : بل أعلاهم كالطرف ـ ثم قال : وقوم كالرواكض، وهم أيضاً الأكابر، وقوم على الصراط يسقطون وتردُّهم الملائكة على الصراط، فبَعُدوا. ثم قال : وقومٌ بعدما دخلوا النار، فمنهم مَن تأخذه إلى كعبيه، ثم إلى ركبتيه، ثم إلى حَقْوَيْه١، فإذا بلغ القلب قال الحقُّ للنار : لا تحرقي قلبه، فإنه محترقُ بي. وقوم يخرجون من النار بعدما امْتُحِشُوا٢ فصاروا حُمَماً. هـ منه.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير