نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٦:وفي نفس هذا السياق جاء كتاب الله بنموذج حي يوضح طريقة دعاة الباطل وقرناء السوء الملازمين لهم، ونوع الدعوات الضالة التي يقومون بها، وينشرونها بين الناس، فقال تعالى : وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون( ٢٦ ) ، فهاهم أولاء يدعون الناس لأن يقفلوا آذانهم عن سماع القرآن، أي يدعونهم لمقابلته بالإعراض والإهمال، والعناد وعدم الانقياد، إذ من شأن الإنسان متى أصغى إلى الحق، واستمع إليه بانتباه وروية، أن يتمعن ويتدبر ويتأثر، فإذا لم يستمع إليه كان بنجوة من تأثير الدعوة، وفي مأمن من مفعولها المنتظر، في أغلب الأحيان.
ثم هاهم أولاء يدعون الناس إذا اخترق القرآن أسماعهم ونفذ إليها بالرغم عنهم، أن يلغوا فيه، ومعنى ( اللغو ) فيه : افتعال الضجيج والصفير والمكاء والتخليط، ومواجهته بالتعييب، والتشكيك، ومقابلته بالجحود والإنكار.
ولقد كانت هذه الطريقة، التي كشف كتاب الله عنها الستار، ولا تزال هي الطريقة التقليدية التي يتبعها دعاة الباطل وقرناؤهم لمحاربة أهل الحق، ومقاومة دعوتهم في كل زمان ومكان، فهم يأمرون أتباعهم المضللين بالابتعاد عن دعاة الحق، وبتفادي الاحتكاك بهم، وعدم غشيان مجالسهم، فإذا أخذت دعوة أهل الحق في الانتشار، رغما عنهم، تصدوا لها بالنقض والتشكيك والمهاترات، وعملوا بكل الوسائل على خنقها وإغراقها في بحر لجي من أمواج الباطل المتراكمة، لعلهم يغلبون الحق عن طريق الباطل، لكن الحق سبحانه وتعالى يتولى دعاة الباطل وقرناءهم، من الكفار فمن دونهم، بما هم أهل له من الخذلان والعقاب والعذاب، وذلك قوله تعالى في نفس السياق : فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا، ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون( ٢٧ ) ، أي : أنه تعالى سيجزيهم بشر أفعالهم، وسيء أعمالهم. وبعدما يصفهم كتاب الله بأنهم ( أعداء الله ) يواصل الحديث عن الجزاء الذي ينتظرهم، ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد، جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدون( ٢٨ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري