تمهيد :
من شأن القرآن أن يوازن ويقارن بين حال الكافرين وحال المؤمنين، والآيات تعرض لوحة للمؤمنين الذين استقاموا على الإيمان والعمل الصالح، فالملائكة تنزل عليهم في الدنيا بالتوفيق والهداية والمعونة، وتنزل عليهم عند الموت تبشرهم بالجنة وتطمئنهم على أولادهم وأهلهم، وتذكر لهم أن الملائكة تتولى معونتهم في الدنيا وبشارتهم في الآخرة، ولهم في الجنة كلّ ما تشتهيه أنفسهم وكل ما يطلبونه، وهذا كرم وفضل من الله الغفور الرحيم، ثم تُبيّن فضل الدعوة إلى الله مع العمل الصالح، والانتساب بالقول والعمل لأمة الإسلام، ثم تُبيّن أن الحسنة والسيئة متفاوتتان، فعلينا ألا نقابل السيئة بالسيئة، بل نقابل الإساءة بالإحسان، فيتحول العدوّ إلى صديق مخلص، ولا يتحمّل ذلك إلا الصابر الموفق، وإذا رغب الشيطان في إغرائك بالشر أو حملك على المعصية، فتحصّن بالله والجأ إليه لحمايتك من وسوسة الشيطان، إنه سبحانه سميع لكل دعاء، عليم بجميع عباده.
المفردات :
ولا تستوي الحسنة : في الجزاء مع السيئة.
ادفع بالتي هي أحسن : قابل السيئة بالتي هي أحسن في دفعها.
وليّ حميم : صديق مشفق.
التفسير :
٣٤- ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم .
الحسنة والسيئة متفاوتتان، فحاول أن تردّ على الإساءة بالإحسان، وعلى الغلظة بالملاينة، وعلى الفحش بالعلم والصبر، أو تقول له : إن كنت صادقا غفر الله لي، وإن كنت كاذبا غفر الله لك، إلى غير ذلك من الحكمة في مقابلة الناس ومعاملتهم، فإذا فعلت ذلك تحوّل العدوّ المشاقّ إلى صديق مشفق.
قال الشاعر :
إن العداوة تستحيل مودة بتدارك الهفوات بالحسنات.
وقيل : إن الآية نزلت في أبي سفيان بن حرب، كان عدوّا مبينا لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وسقط في الأسر قبيل الفتح، فأحسن النبي صلى الله عليه وسلم معاملته، وقال : " من دخل دار أبي سفيان فهو آمن " فتحول إلى صديق معين.
وينبغي أن نبحث عن الحكمة في تصرّفاتنا وأعمالنا، فمن الناس من لا تصلح معهم الملاينة، ولا يصلح معهم إلا المخاشنة، وفي مثل هؤلاء قال القرآن الكريم : وجزاء سيئةٍ سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله... . ( الشورى : ٤٠ ).
وقال تعالى : ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل * إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق... . ( الشورى : ٤١، ٤٢ ).
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة