فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير ( الشورى : ١٥ ).
تفسير المفردات : ادع : أي إلى الائتلاف والاتفاق، واستقم : أي اثبت على الدعاء كما أوحي إليك، آمنت بما أنزل الله من كتاب : أي صدقت بجميع الكتب المنزلة، لا حجة : أي لا احتجاج ولا خصومة.
المعنى الجملي : بعد أن أمرهم سبحانه فيما سلف بالوحدة في الدين وعدم التفرق فيه، وذكر أنهم قد تفرقوا فيه من بعد ما جاءهم العلم، بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا – أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالدعوة إلى الاتفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها والدعوة إليها وألا يتبع أهواءهم الباطلة، ثم أمره بالإيمان بجميع الكتب السماوية، وبالعدل بين الناس والمساواة بينهم وبين نفسه، فلا يأمرهم بما لا يعلمه، أو يخالفهم فيما نهاهم عنه.
ثم أردف ذلك ببيان أن إلههم جميعا واحد، وأن كل امرئ مسؤول عن عمله، وأن الله يجمع الناس يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم.
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشرة أوامر ونواه، كل منها مستقل بذاته ودال على حكم برأسه، ولا نظير لها في ذلك سوى آية الكرسي فهي عشرة فصول أيضا.
الإيضاح : فلذلك فادع أي فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر في الأمم السالفة شعبا – ادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية ملة إبراهيم.
واستقم كما أمرت أي واثبت أنت ومن اتبعك على عبادة الله كما أمركم.
ولا تتبع أهواءهم أي ولا تتبع أيها الرسول أهواء الذين شكوا في الحق الذي شرعه الله لكم، من الذين أورثوا الكتاب من قبلكم فتشكوا فيه كما شكوا.
وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب أي وقل : صدقت بجميع الكتب المنزلة على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، لا أكذب بشيء منها.
وفي هذا تعريض بأهل الكتاب، إذ صدقوا ببعض وكفروا ببعض، وتأليف لقلوبهم، إذ آمن بما آمنوا به.
وأمرت لأعدل بينكم أي وأمرني الله بما أمرني به، لأعدل بينكم في الأحكام إذا ترافعتم إلي، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه أو نقصان منه، ولأبلغ ما أمرني بتبليغه إليكم كما هو.
الله ربنا وربكم أي الله هو المعبود بحق لا إله غيره، فنحن نقر بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوه فله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وجبرا.
لنا أعمالنا ولكم أعمالكم أي لنا أعمالنا لا يتخطانا جزاؤها، ثوابا كان أو عقابا، ولكم أعمالكم لا ننتفع بحسناتكم ولا تضرنا سيئاتكم.
ونحو الآية قوله : وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون ( يونس : ٤١ ).
لا حجة بيننا وبينكم أي لا خصومة بيننا ولا احتجاج، فإن الحق قد وضح، وليس للمحاجة مجال، فما المخالف إلا معاند أو مكابر، وسيأتي الوقت الذي يستبين فيه الحق، ويتضح سبيل الرشاد، وإلى ذلك أشار بقوله :
الله يجمع بيننا أي الله يجمع بيننا يوم القيامة، فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه.
ونحو الآية قوله : قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم ( سبأ : ٢٦ ).
وإليه المصير أي وإليه المرجع والمعاد بعد مماتنا يوم الحساب، فيجازي كل نفس بما كسبت فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره( ٧ )ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ( الزلزلة : ٧-٨ ).
وهذه الأوامر والنواهي وإن وجهت في الظاهر إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فهي له ولأمته كما هي القاعدة : أمر النبي صلى الله عليه وسلم أمر لأمته إلا إذا ورد دليل على التخصيص.
تفسير المراغي
المراغي