وقصارى ذلك- إنهم تفرقوا بعد العلم الذي حصل من النبي المبعوث إليهم المصدّق لكتابهم، لأنهم شكوا فى كتابكم فلم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه من أمر ونهى.
[سورة الشورى (٤٢) : آية ١٥]
فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥)
تفسير المفردات
ادع: أي إلى الائتلاف والاتفاق، واستقم: أي اثبت على الدعاء كما أوحى إليك، آمنت بما أنزل من كتاب: أي صدقت بجميع الكتب المنزلة، لا حجة: أي لا احتجاج ولا خصومة:
المعنى الجملي
بعد أن أمرهم سبحانه فيما سلف بالوحدة فى الدين وعدم التفرق فيه، وذكر أنهم قد تفرقوا فيه من بعد ما جاءهم العلم، بغيا وحسدا، وعنادا واستكبارا- أمر رسوله صلى الله عليه وسلّم بالدعوة إلى الاتفاق على الملة الحنيفية والثبات عليها والدعوة إليها وألا يتبع أهواءهم الباطلة، ثم أمره بالإيمان بجميع الكتب السماوية، وبالعدل بين الناس والمساواة بينهم وبين نفسه، فلا يأمرهم بما لا يعمله، أو يخالفهم فيما نهاهم عنه
ثم أردف ذلك ببيان أن إلههم جميعا واحد، وأن كل امرئ مسئول عن عمله، وأن الله يجمع الناس يوم القيامة ويجازيهم بأعمالهم.
وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على عشرة أوامر ونواه، كل منها مستقل بذاته ودالّ على حكم برأسه، ولا نظير لها فى ذلك سوى آية الكرسي فهى عشرة فصول أيضا.
الإيضاح
(فَلِذلِكَ فَادْعُ) أي فلأجل ذلك التفرق، ولما حدث بسببه من تشعب الكفر فى الأمم السالفة شعبا- ادع إلى الاتفاق والائتلاف على الملة الحنيفية ملة إبراهيم (وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) أي واثبت أنت ومن اتبعك على عبادة الله كما أمركم.
(وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ) أي ولا تتبع أيها الرسول أهواء الذين شكّوا فى الحق الذي شرعه الله لكم، من الذين أورثوا الكتاب من قبلكم فتشكّوا فيه كما شكّوا.
(وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ) أي وقل: صدّقت بجيمع الكتب المنزلة على الأنبياء من التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم، لا أكذّب بشىء منها.
وفى هذا تعريض بأهل الكتاب، إذ صدقوا ببعض وكفروا ببعض، وتأليف لقلوبهم، إذ آمن بما آمنوا به.
(وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ) أي وأمرنى الله بما أمرنى به، لأعدل بينكم فى الأحكام إذا ترافعتم إلىّ، ولا أحيف عليكم بزيادة على ما شرعه أو نقصان منه، ولأبلّغ ما أمرنى تبليغه إليكم كما هو.
(اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ) أي الله هو المعبود بحق لا إله غيره، فنحن نقرّ بذلك اختيارا، وأنتم وإن لم تفعلوه فله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وجبرا.
(لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ) أي لنا أعمالنا لا يتخطانا جزاؤها، ثوابا كان أو عقابا، ولكم أعمالكم لا ننتفع بحسناتكم ولا تضرنا سيئاتكم.
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي