المعنى الجملي : بعد أن ذكر في الآيات السالفة أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يتمتعون بالنعيم في روضات الجنات، وأنه يعطيهم من فضله ما فيه قرة أعينهم رحمة من لدنه – ذكر هنا أن ذلك كائن لهم لا محالة ببشارة منه لهم، ثم أعقب هذا بأن أمر رسوله أن يقول لهم : إنه لا يسألهم على هذا البلاغ والنصح أجرا، وإنما يطلب منهم التقرب إلى الله وحسن طاعته، ثم رد عليهم قولهم : إن القرآن مفترى بأنه لا يفتري الكذب على الله إلا من كان مختوما على قلبه، ومن سنن الله إبطال الباطل ونصرة الحق، فلو كان محمد كذابا مفتريا لفضحه وكشف باطله، ولكن أيده بالنصر والقوة، ثم ندبهم إلى التوبة مما نسبوه إلى رسوله من افترائه للقرآن، ثم وعد المؤمنين بأنه يجيب دعاءهم إذا هم دعوه، ويزيدهم من نعمه، وأوعد الكافرين بشديد العقاب كفاء ما اجترحوا من الشرور والآثام.
ثم امتن على عباده بقبول توبتهم إذا هم تابوا ورجعوا إليه فقال :
وهو الذي يقبل التوبة عن عباده بالتجاوز عما فرط منهم من الذنوب، واقترفوا من السيئات.
والتوبة الندم على المعصية، والإقلاع عنها، والعزم على عدم العودة إليها، وهذه شروط ثلاثة فيما بين العبد وربه، فإذا كملت صحت التوبة، وإن فقد واحد منها لم تكن توبة صحيحة، أما فيما يتعلق بحقوق العباد فيزاد على ذلك أن يبرأ من حق صاحبها.
ومن علامات التوبة النصوح : صدق العزيمة على ترك الذنب، وألا يجد له حلاوة في قلبه عند ذكره.
وقد ورد في الحض على التوبة كثير من الأحاديث في الصحيحين وغيرهما، فمن ذلك :
( ١ )ما رواه أبو هريرة من قوله صلى الله عليه وسلم :( لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش ).
( ٢ )ما رواه جابر أن أعرابيا دخل مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك وكبر، فلما فرغ من صلاته قال له علي كرم الله وجهه : إن سرعة اللسان بالاستغفار توبة الكذابين، وتوبتك تحتاج إلى التوبة، يا أمير المؤمنين ما التوبة ؟ قال : التوبة اسم يقع على ستة معان : على الماضي من الذنوب الندامة، ولتضييع الفرائض الإعادة، ورد المظالم، وإذاقة النفس مرارة الطاعة كما أذقتها حلاوة المعصية، وإذابتها في الطاعة كما ربيتها في المعصية، والبكاء بدل كل ضحك ضحكته.
ويعفو عن السيئات أي يقبل التوبة في المستقبل ويعفو عن السيئات في الماضي.
ويعلم ما تفعلون أي ويعلم الذي تفعلونه كائنا ما كان خيرا أو شرا، فيجازي بالثواب والعقاب، أو يتجاوز بالعفو بحسب ما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح.
وفي هذا حث على لزوم الحذر منه تعالى والإخلاص له وإمحاض التوبة.
تفسير المراغي
المراغي