عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً [الْأَحْزَابِ: ٣٣] بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهَا هَاهُنَا، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ. وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى: حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُفَضَّلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ حَنَشٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أبا ذر رضي الله عنه وَهُوَ آخِذٌ بِحَلْقَةِ الْبَابِ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وَمَنْ أَنْكَرَنِي فَأَنَا أَبُو ذَرٍّ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بيتي فيكم كمثل سفينة نوح عليه الصلاة والسلام مَنْ دَخَلَهَا نَجَا، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا هَلَكَ» هذا بهذا الإسناد ضعيف.
وقوله عز وجل: وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً أَيْ وَمَنْ يَعْمَلُ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيها حُسْناً أي أجرا وثوابا، كقوله تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النِّسَاءِ: ٤٠]، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ مِنْ ثَوَابِ الْحَسَنَةِ الْحَسَنَةَ بَعْدَهَا، وَمِنْ جَزَاءِ السيئة السيئة بعدها. وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ أَيْ يَغْفِرُ الْكَثِيرَ مِنَ السَّيِّئَاتِ وَيُكَثِّرُ الْقَلِيلَ مِنَ الْحَسَنَاتِ، فَيَسْتُرُ ويغفر ويضاعف فيشكر، وقوله جل وعلا:
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ أَيْ لَوِ افْتَرَيْتَ عَلَيْهِ كَذِبًا كَمَا يَزْعُمُ هَؤُلَاءِ الْجَاهِلُونَ يَخْتِمْ عَلى قَلْبِكَ أي يطبع على قلبك ويسلبك ما كان آتاك من القرآن، كقوله جل جلاله: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الْحَاقَّةِ: ٤٠- ٤٧] أَيْ لَانْتَقَمْنَا مِنْهُ أَشَدَّ الِانْتِقَامِ، وَمَا قَدَرَ أَحَدٌ مِنَ الناس أن يحجز عنه.
وقوله جلت عظمته: وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ يَخْتِمْ فَيَكُونَ مَجْزُومًا بَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ. قَالَهُ ابْنُ جَرِيرٍ، قَالَ: وَحُذِفَتْ مِنْ كتابته الواو في رسم مصحف الْإِمَامِ، كَمَا حُذِفَتْ فِي قَوْلِهِ: سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ [العلق: ١٨] وقوله تعالى: وَيَدْعُ الْإِنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالْخَيْرِ [الْإِسْرَاءِ: ١١]. وَقَوْلُهُ عز وجل وَيُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ مَعْطُوفٌ عَلَى وَيَمْحُ اللَّهُ الْباطِلَ وَيُحِقُّ الْحَقَّ أَيْ يُحَقِّقُهُ وَيُثْبِتُهُ وَيُبَيِّنُهُ وَيُوَضِّحُهُ بِكَلِمَاتِهِ، أَيْ بِحُجَجِهِ وَبَرَاهِينِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أَيْ بِمَا تُكِنُّهُ الضَّمَائِرُ وَتَنْطَوِي عليه السرائر.
[سورة الشورى (٤٢) : الآيات ٢٥ الى ٢٨]
وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (٢٥) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (٢٦) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ (٢٨)
يَقُولُ تَعَالَى مُمْتَنًّا عَلَى عِبَادِهِ بِقَبُولِ تَوْبَتِهِمْ إِلَيْهِ إِذَا تَابُوا وَرَجَعُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ مِنْ كَرَمِهِ وَحِلْمِهِ أن يعفو ويصفح ويستر ويغفر، وكقوله عز وجل: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً
[النِّسَاءِ: ١١٠] وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عليه، حيث قال:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَّبَاحِ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قالا: حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مالك، وهو عمه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لله تعالى أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ من أحدكم كانت رَاحِلَتُهُ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا قَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا قَائِمَةٌ عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ- أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ» «١». وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوَهُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ يَجِدُ ضَالَّتَهُ في المكان الذي يخاف أن يقتله فيه العطش» وَقَالَ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ: سُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ الرَّجُلِ يَفْجُرُ بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُهَا؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَرَأَ وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ الْآيَةَ، رَوَاهُ ابْنُ جَرِيرٍ «٢» وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ شريح الْقَاضِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُهَاجِرٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النخعي، عن همام فذكره، وقوله عز وجل: وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ أَيْ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ فِي الْمَاضِي وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ أَيْ هُوَ عَالِمٌ بِجَمِيعِ مَا فَعَلْتُمْ وَصَنَعْتُمْ وَقُلْتُمْ وَمَعَ هَذَا يَتُوبُ عَلَى مَنْ تاب إليه.
وقوله تَعَالَى: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ قَالَ السُّدِّيُّ: يَعْنِي يَسْتَجِيبُ لَهُمْ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ جرير «٣» : معناه يستجيب الدعاء لهم وَلِأَصْحَابِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ، وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ النُّحَاةِ، وَأَنَّهُ جعلها كقوله عز وجل: فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ [آلِ عِمْرَانَ: ١٩٥] ثُمَّ رَوَى هُوَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سبرة قال: خطبنا معاذ رضي الله عنه بِالشَّامِ، فَقَالَ: أَنْتُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَنْتُمْ أَهْلُ الْجَنَّةِ، والله إني لأرجو أن يدخل الله تعالى مَنْ تَسْبُونَ مِنْ فَارِسَ وَالرُّومِ الْجَنَّةَ وَذَلِكَ بِأَنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا عَمِلَ لَهُ- يَعْنِي أَحَدَهُمْ عَمَلًا قَالَ: أَحْسَنْتَ رَحِمَكَ اللَّهُ، أَحْسَنْتَ بَارَكَ اللَّهُ فِيكَ ثُمَّ قَرَأَ وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ.
وَحَكَى ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ جَعَلَ قَوْلِهِ: وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا كَقَوْلِهِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ [الزُّمَرِ: ١٨] أَيْ هُمُ الَّذِينَ يَسْتَجِيبُونَ لِلْحَقِّ وَيَتَّبِعُونَهُ كَقَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [الْأَنْعَامِ: ٣٦] وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ يَسْتَجِيبُ دُعَاءَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ فَوْقَ ذَلِكَ. وَلِهَذَا قَالَ
(٢) تفسير الطبري ١١/ ١٤٧. [.....]
(٣) تفسير الطبري ١١/ ١٤٧، ١٤٨.
تفسير القرآن العظيم
أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي
محمد حسين شمس الدين