ﭑﭒﭓﭔﭕ ﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)
بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ يَعْنِي: الْمُشْرِكِينَ فِي الدُّنْيَا، وَلَمْ أُعَاجِلْهُمْ بِالْعُقُوبَةِ عَلَى الْكُفْرِ، حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ يَعْنِي الْقُرْآنُ، وَقَالَ الضَّحَّاكُ: الْإِسْلَامُ. وَرَسُولٌ مُبِينٌ يُبَيِّنُ لَهُمُ الْأَحْكَامَ وَهُوَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَكَانَ من حق هذ الْإِنْعَامِ أَنْ يُطِيعُوهُ، فَلَمْ يَفْعَلُوا، وَعَصَوْا.
وَهُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ يَعْنِي الْقُرْآنُ، قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ. وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يَعْنُونَ الْوَلِيدَ بْنَ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَعُرْوَةَ بْنَ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّ بِالطَّائِفِ، قَالَهُ قَتَادَةُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مِنْ مَكَّةَ، وَابْنُ عَبْدِ يَالَيْلَ الثَّقَفِيُّ مِنَ الطَّائِفِ.
وَقِيلَ: الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ مِنْ مَكَّةَ، وَمِنَ الطَّائِفِ: حَبِيبُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ الثَّقَفِيُّ. وَيُرْوَى هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا. (١) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ يَعْنِي النُّبُوَّةَ، قال مقاتل ١١٨/أيَقُولُ: بِأَيْدِيهِمْ مَفَاتِيحُ الرِّسَالَةِ فيضعونها حيث شاؤوا؟ ثُمَّ قَالَ:
نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَجَعَلْنَا هَذَا غَنِيًّا وَهَذَا فَقَيرًا وَهَذَا مَلِكًا

(١) أخرج هذه الأقوال الطبري: ٢٥ / ٦٥-٦٦ ثم قال: "وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال جل ثناؤه مخبرا عن هؤلاء المشركين (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم) إذ كان جائزا أن يكون بعض هؤلاء، ولم يضع الله تبارك وتعالى لنا الدلالة على الذين عنوا منهم في كتابه، ولا على لسان رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والاختلاف فيه موجود على ما بينت". وبنحوه قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: ٤ / ١٢٧-١٢٨ "... والظاهر أن مرادهم رجل كبير من أي البلدتين كان".

صفحة رقم 211

وَهَذَا مَمْلُوكًا، فَكَمَا فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ كَمَا شِئْنَا، كَذَلِكَ اصْطَفَيْنَا بِالرِّسَالَةِ مَنْ شِئْنَا.
وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ بِالْغِنَى وَالْمَالِ، لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا لِيَسْتَخْدِمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَيُسَخِّرُ الْأَغْنِيَاءُ بِأَمْوَالِهِمُ الْأُجَرَاءَ الْفُقَرَاءَ بِالْعَمَلِ، فَيَكُونُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ سَبَبَ الْمَعَاشِ، هَذَا بِمَالِهِ، وَهَذَا بِأَعْمَالِهِ، فَيَلْتَئِمُ قِوَامُ أَمْرِ الْعَالَمِ. وَقَالَ قَتَادَةُ وَالضَّحَّاكُ: يَمْلِكُ بَعْضُهُمْ بِمَالِهِمْ بَعْضًا بِالْعُبُودِيَّةِ وَالْمِلْكِ. وَرَحْمَةُ رَبِّكَ [يَعْنِي الْجَنَّةَ] (١)، خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، مِمَّا يَجْمَعُونَ مِمَّا يَجْمَعُ الْكُفَّارُ مِنَ الْأَمْوَالِ.
وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً أَيْ: لَوْلَا أَنْ يَصِيرُوا كُلُّهُمْ كُفَّارًا فَيَجْتَمِعُونَ عَلَى الْكُفْرِ، لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ، وَأَبُو عَمْرٍو: "سَقْفًا" بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْقَافِ عَلَى الْوَاحِدِ، وَمَعْنَاهُ الْجَمْعُ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: "فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ" (النَّحْلِ-٢٦)، وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ عَلَى الْجَمْعِ، وَهِيَ جَمْعُ "سَقْفٍ" مِثْلُ: رَهْنٍ وَرُهُنٍ، قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا. وَقِيلَ: هُوَ جَمْعُ سَقِيفٍ. وَقِيلَ: جَمْعُ سُقُوفٍ جَمْعُ الْجَمْعِ. وَمَعَارِجَ مَصَاعِدَ وَدَرَجًا مِنْ فِضَّةٍ، عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ يَعْلُونَ وَيَرْتَقُونَ، يُقَالُ: ظَهَرْتُ عَلَى السَّطْحِ إِذَا عَلَوْتُهُ.
وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا مِنْ فِضَّةٍ، وَسُرُرًا أَيْ: وَجَعَلْنَا لَهُمْ سُرُرًا مِنْ فِضَّةٍ، عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ.
وَزُخْرُفًا أَيْ وَجَعَلْنَا مَعَ ذَلِكَ لَهُمْ زُخْرُفًا وَهُوَ الذَّهَبُ، نَظِيرُهُ: "أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ" (الْإِسْرَاءِ-٩٣)، وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا قَرَأَ حَمْزَةُ وَعَاصِمٌ: "لَمَّا" بِالتَّشْدِيدِ عَلَى مَعْنَى: وَمَا كُلُّ ذَلِكَ إِلَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَكَانَ: "لَمَّا" بِمَعْنَى إِلَّا وَخَفَّفَهُ الْآخَرُونَ عَلَى مَعْنَى: وَكُلُّ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَيَكُونُ: "إن" للابتداء، و"ما" صِلَةٌ، يُرِيدُ: إِنَّ هَذَا كُلَّهُ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا يَزُولُ وَيَذْهَبُ، وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً يَعْنِي الْجَنَّةَ.
أَخْبَرَنَا الْإِمَامُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْقَاضِي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ

(١) ما بين القوسين زيادة من "ب".

صفحة رقم 212

معالم التنزيل

عرض الكتاب
المؤلف

محيي السنة، أبو محمد الحسين بن مسعود بن محمد بن الفراء البغوي الشافعي

تحقيق

محمد عبد الله النمر

الناشر دار طيبة للنشر والتوزيع
سنة النشر 1417
الطبعة الرابعة
عدد الأجزاء 8
التصنيف كتب التفسير
اللغة العربية