ﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨ

١١٠٧- فيه من الأسئلة، أن الضمير في قولهم : إن هي على أن شيء يعود ؟ فإن قلتم على شيء قبله، فلم يتقدم ما يعود عليه. وإن قلتم على ما بعده وهي الموتة الأولى ، يلزم من حصر الضمير في الموتة الأولى حصر الشيء في نفسه وهو محال، لأن المحصور فيه يقبل العموم دون المحصور، والشيء الواحد يمتنع أن يقبل العموم مع نفسه، ولأن الضمير إذا كان مبتدأ كان في نية التقديم لفظا ومعنى، والخبر متأخر لفظا ومعنى فلا يعود على الخبر، وقولهم : " الأولى " يقتضي أنهم " يعتقدون ثانية، فإن الأولية من الأمور النسبية، فلا تعقل إلا مع ثان، وكذلك قال الفقهاء، إذا قال : " أول عبد يدخل الدار فهو حر "، إذا دخل عبد، قال الشافعية : لا يعتق حتى يدخل عبد آخر، هذا بالنسبة إليه أولا ؛ وإلا فلا يعتق.
والجواب : إن الضمير عائد على معلوم لا مذكور، وهي الموتة المطلقة التي يتوهم حصولها من أفراد كثيرة : فقالوا : ما تلك الموتة إلا محصورة في فرد واحد منها، وهي الأولى فلا تعقبها ثانية. وكذلك قولهم : إن هي إلا حياتنا الدنيا (١)، في الآية الأخرى.
وأما وصف الأولية فهو صادق باعتبار ما قاله المؤمنون، فإنهم قالوا لهم ثم موتة أخرى، فصار التعدد بحسب ما وقع الكلام فيه، أو بحسب ما يتوهمه المتكلم من إفراد الموت في ذهنه لا في الخارج. ومن قولهم : ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر (٢). وقوله تعالى : وما نحن بمبعوثين (٣).
قال بعض نحاة العرب : هذه الآية فيها دليل قاطع على أن الواو ليست للترتيب لقولهم : " نموت ونحيا "، ومرادهم : نحيا ونموت لجحدهم البعث إذ لو كان الكلام على ظاهره مرتبا لكانوا معترفين بالحياة بعد الموت وليس كذلك، لقولهم وما نحن بمبعوثين .
وهذا موضع حسن في هذا المقصد، غير أن المفسرين اختلفوا في تفسير الآية، فقال بعضهم : معناه : " نحن موتى قبل أن توجد ثم نحيى في وقت وجودنا ". وقيل : " نموت حين نطف ودم ثم نحيى بالزواج فينا " وقيل : " معناه نحيى ونموت "، وأن الواقع من اللفظ مؤخر هو مقدم، وهذا هو ظاهر اللفظ فإن القولين الأولين لم يذكر فيه الموت الذي هو خروج الروح من الجسد مع أنه الذي يسبق إلى الأفهام فيحصل مقصود الآية في الدلالة على أن الواو ليست للترتيب. وقيل : " مقصود الكلام الإخبار عن حال النوع، أي : يموت آباؤنا ويولد أبناؤنا ". وتقسيم الضمير أيضا خلاف الظاهر. ( الاستغناء : ٢٤٠-٢٤١ )

١ - سورة الأنعام : ٢٩..
٢ - سورة الجاثية : ٢٤..
٣ - سورة المؤمنون : ٣٧..

جهود القرافي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير