قوله ( تعالى )١ : وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى العامة على كسر ميم «مِنْ » حرف جر، وهي مع مجرورها خبر مقدم. والجملة حالية، أو خبر مستأنف وقرأ الكلبي بنصب الكتاب٢ تقديره : وأنْزَلَ مِنْ قِبْلِهِ كِتَابَ مُوسَى وقرئ : وَمَنْ قَبْلَه بفتح الميم كِتَابَ مُوسَى بالنصب، على أن «من » موصولة، وهي مفعول أول لآتَيْنَا مقدَّراً، و«كتاب موسى » مفعوله الثاني أي وآتينا الذي قبله كِتَابَ مُوسَى٣.
قوله :«إمَاماً ورَحْمَةً » حالان من «كتاب موسى »٤. وقيل : منصوبان بمقدر أي أَنْزَلْنَاهُ إِمَاماً٥ ولا حاجة إليه. وعلى كونهما حالين هما منصوبان بما نصب به «مِنْ قَبْل » من الاستقرار. وقال أبو عبيدة٦ : فيه إضمار أي جعلناه إماماً ورحمة من الله لمن آمن به.
ومعنى الآية : ومن قبل القرآن كتابُ موسى يعني التوراة إماماً يهتدى به، ورحمة من الله وفي الكلام محذوف تقديره : وتقدمه كتاب موسى إماماً ورحمةً ولم يَهْتَدُوا به كما قال في الآية الأخرى٧ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُواْ بِهِ .
قوله : وهذا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ أي القرآن يصدِّق الكتب التي قبله، في أن محمداً رسول من عند الله.
قوله :«لِسَاناً » حال من الضمير في «مُصَدِّق » ويجوز أن يكون حالاً من «كِتَابٍ » والعامل التنبيه٨، أو معنى الإشادة. و«عربياً » صفة ل «لِسَاناً » وهو المسوغ لوقوع هذه الجامدة حالاً، وجوز أبو البقاء أن يكون مفعولاً به ناصبه٩ «مصدق » وعلى هذا تكون الإشارة إلى غير القرآن ؛ لأن المراد باللسان العربي القرآن. وهو خلاف الظاهر. وقيل : هو على حذف مضاف، أي مُصَدِّق ذَا لسانٍ عَرَبيٍّ١٠ وهو النبي صلى الله عليه وسلم وقيل : هو على إسقاط حرف الجرف، أي بلسان١١ وهو ضعيف.
قوله :«لتنذر » متعلق بمُصَدِّق، و«بُشْرَى » عطف على محلّه تقديره : للإنذار وللبُشْرَى١٢. ولما اختلف العلة والمعلول وصل العامل إليه باللام، وهذا فيمن قرأ بتاء الخطاب١٣. فأما من قرأ بياء الغيبة١٤ وقد تقدم ذلك في يس فإنَّهُمَا متَّحِدَانِ. وقيل : بشرى عطف على لفظ «لِتُنْذِر » أي فيكون مجروراً فقط١٥. وقيل : هي مرفوعة على خبر ابتداء مضمر تقديره١٦ : هِيَ بُشْرَى. ونقل أبو حيان١٧ وجه النصب عطفاً على محل «لِتُنْذِرَ » عن الزمخشري١٨ وأبي البقاء ثم قال :«وهذا لا يصح على الصحيح من مذاهب النحويين، لأنهم يشترطون في الحمل على المحل أن يكون بحقّ الأصالة. وأن يكون للموضع مُحْرز١٩. وهنا المحل ليس بحق الأصَالة ؛ إذ الأصل في المفعول الجر ( له )٢٠، والنصب ناشىء عنه، لكنه لما كثر بالشروط المذكورة وصل إليه الفعل فنصبه »٢١. انتهى.
قوله : الأصل في المفعول له الجر بالحرف ممنوع بدليل قول النحويين إنه ينصب بشروط٢٢ ذكروها ثم يقولون : ويجوز جره بلام فقولهم : ويجوز ظاهر في أنه فرع أصل.
قال الزجاج ( رَحِمَهُ الله٢٣ ) : الأجوزُ أن يكون «وبشرى » في موضع رفع أي وهُو بُشْرَى.
قال و ( لا )٢٤ يجوز أن يكون في موضع نَصْب على معنى لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين٢٥. وقوله للمحسنين متعلق ببشرى، أو بمحذوف على أنَّه صفة لها.
فصل
المراد بالذين ظلموا مشركو مكة، والحاصل أن المقصودَ من إنزال هذا الكتاب إنذار المعرضين وبشارة المطيعين.
٢ البحر المحيط ٨/٥٩ وهي شاذة غير متواترة..
٣ نسبها أبو حيان أيضا إلى الكلبي المرجع السابق ولم ينسبها الزمخشري فجعلها قراءة واحدة الكشاف ٣/٥١٩..
٤ التبيان ١١٥٥..
٥ البحر المحيط المرجع السبق ولم ينسب هذا الرأي لمعين..
٦ لم أجده في كتابه مجاز القرآن عند هذه الآية ولعله له في كتاب آخر ولا فرق بينه وبين الذي سبقه من التقدير..
٧ في ب الأولى..
٨ يقصد الهاء من قوله: "وهذا" وانظر البحر المحيط ٨/٥٩ والتبيان ١١٥٥ والبيان ٢/٣٦٩ والحال في الحقيقة هو "عربيا" فيكون "لسانا" توطئة للحال أي تأكيدا. انظر القرطبي ١٦/١٩١ والبحر المرجع السابق..
٩ أي هذا الكتاب يصدق لسان محمد صلى الله عليه وسلم. التبيان ١١٥٥..
١٠ نقله أبو حيان في بحره المرجع السابق..
١١ السابق..
١٢ قاله صاحب التبيان في مرجعه السابق ١١٥٥..
١٣ وهو أبو رجاء والأعرج وشيبة، وأبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وهي قراءة متواترة انظر السبعة ٥٩٦ والنشر تقريبه ١٧٣، وابن خالويه في حجته ٣٢٦..
١٤ باقي السبعة..
١٥ أي للإنذار والبشرى..
١٦ وهو اختيار الزجاج ورجحه قال: "الأجود أن يكون "بشرى" في موضع رفع والمعنى وهو بشرى للمحسنين" معاني القرآن وإعرابه ٤/٤٤١..
١٧ في البحر ٨/٥٩..
١٨ الكشاف ٣/٥٢٠..
١٩ أي طالب لذلك المحل..
٢٠ كذا في أ وفي ب: إذ الأصل في المفعول له الجر، وهو الصحيح الموافق لما في البحر لأبي حيان فضلا عن المعنى المقصود..
٢١ بالمعنى قليلا من البحر المحيط ٨/٥٩ و٦٠..
٢٢ هذه الشروط أن يكون مصدرا خلافا ليونس، معللا، قيل: ومن أفعال الباطن وقد شرط المتأخرون والأعلم، مشاركته لفعله وقتا وفاعلا، كما شرط المبرد والرياشي تنكيره فإن فقد أي شرط من الشروط السابقة جر باللام، أو من، أو الباء، قيل: أو في، وهناك المزيد في همع السيوطي وغيره بتصرف من الهمع ١/١٩٤..
٢٣ زيادة من أ الأصل..
٢٤ زيادة من النسختين ففي معاني القرآن له: "ويجوز أن يكون... ويبشر المحسنين بشرى". معاني القرآن وإعرابه ٤/٤٤١..
٢٥ ذكره العلامة الإمام الفخر الرازي ٢٨/١٢ و١٣..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود