فلما نزلت هذه الآية قال أهل الزمانة١٨ : كيف بنا يا رسول الله ؟فأنزل الله عزّ وجلّ١ لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ أي في التخلف عن الجهاد وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ .
وذلك لأن الجهادَ عبارة عن المقاتلة والكرِّ والفَرِّ، وهؤلاء الثلاثة لا يمكنهم الإقدام على العدو والطلب، ولا يمكنهم الاحتراز والهرب. وفي معنى الأعرج الأَقْطَعُ والمُقْعَد بل أولى أن يعذر، ومن به عَرَجٌ لا يمكنه من الكرِّ والفرِّ لا يعذر، وكذلك المرض الذي لا يمنع من الكر والفر كالطّحال والسُّعال وبعض أوجاع المفاصل إذا لم يُضْعِفْهُ عن الكرِّ والفر، فهذه الأعذار في نفس المجاهد، وتبقى أعذار خارجة، كالفقر الذي لا يمكن صاحبه من استصحاب ما يحتاج له وكذا الاشتغال بمن لولاه لضاع كطفلٍ أو مريضٍ.
والأعذار المبيحة مذكورة في كتب الفقه٢. وقدم الأعمى على الأعرج، لأن عذر الأعمى يستمر ولو حضر القتال، والأعرج إن حضر راكباً أو بطريق يقدر على القتال بالرمي وغيره.
قوله : وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَن يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً قرأ أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون فيهما٣. وقرآ الآخرون بالياء لقوله : ومن يطع الله ورسوله ٤.
٢ الرازي ٢٨/٩٣ و٩٤..
٣ نافع وابن عامر وأبو جعفر. وانظر الإتحاف ٣٩٦ وهي متواترة..
٤ وهو اختيار أبي عبيد، وأبي حاتم؛ لتقدم ذكر الله أولا. انظر القرطبي ١٦/٢٧٤..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود