هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عليما حكيما( ٤ )ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما( ٥ )ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا( ٦ )ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزا حكيما ( الفتح : ٤-٧ ).
تفسير المفردات : أنزل السكينة : أي خلقها وأوجدها، قال الراغب : إنزال الله تعالى نعمته على عبد : إعطاؤه إياها، إما بإنزال الشيء نفسه كإنزال القرآن، أو بإنزال أسبابه بالهداية إليه كإنزال الحديد ونحوه اه. والسكينة : الطمأنينة والثبات من السكون، إيمانا مع إيمانهم : أي يقينا مع يقينهم، جنود السماوات والأرض : أي الأسباب السماوية والأرضية، /م*
المعنى الجملي : بعد أن أخبر سبحانه بأنه سينصر رسله – بين سبيل النصر بأنه رزقهم ثبات أقدام ليزدادوا يقينا إلى يقينهم، ثم أخبر بأن من سننه أن يسلط بعض عباده على بعض، وهو العليم بالمصالح واستعداد النفوس، وقد وعد المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار وأوعد عباده الكافرين والمنافقين الذين كانوا يتربصون الدوائر بالمؤمنين – بالعذاب الأليم، وغضب عليهم وطردهم من رحمته.
روى أحمد عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ( الفتح : ٢ ) مرجعه من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :( لقد أنزلت علي آية أحب إلي مما على وجه الأرض ) ثم قرأها عليهم، فقالوا : هنيئا مريئا يا رسول الله، لقد بين لك ماذا يفعل بك، فماذا يفعل بنا ؟ فنزلت عليه : ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار – حتى بلغ – فوزا عظيما وأخرجه الشيخان من رواية قتادة.
الإيضاح : هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم أي هو الذي أنزل في قلوب المؤمنين طمأنينة وثبات أقدام عند اللقاء ومقاتلة الأعداء ( وهو المسمى في العصر الحديث الروح المعنوية في الجيوش ) ليزدادوا يقينا في دينهم إلى يقينهم برسوخ عقيدتهم واطمئنان نفوسهم بعد أن دهمهم من الحوادث ما من شأنه أن يزعج ذوي الأحلام، ويزلزل العقائد بصد الكفار لهم عن المسجد الحرام ورجوعهم دون بلوغ مقصدهم، ولكن لم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن هاج الناس وزلزلوا زلزالا شديدا حتى إن عمر بن الخطاب لم يكن راضيا عن هذا الصلح وقال : ألسنا على الحق وهم على الباطل ؟ وكان للصديق من القدم الثابتة ورسوخ الإيمان ما دل على أنه لا يجارى ولا يبارى.
ولله جنود السماوات والأرض فهو الذي يدبر أمر العالم، ويسلط بعض جنده على بعض، فيجعل جماعة يجاهدون لإعلاء كلمة الحق، ويجعل آخرين يقاتلون في سبيل الشيطان، ولو شاء لأرسل عليهم جندا من السماء فأباد خضراءهم، لكنه سبحانه شرع الجهاد والقتال، لما في ذلك من مصلحة هو عليم بها، وحكمة قد تغيب عنا، وهذا ما عناه بقوله :
وكان الله عليما حكيما فهو لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض.
سورة الفتح
آيها تسع وعشرون
هي مدنية، نزلت بعد سورة الجمعة. ووجه مناسبتها لما قبلها :
إن الفتح المراد به النصر مرتب على القتال.
إن في كل منهما ذكرا للمؤمنين والمخلصين والمنافقين المشركين.
إن في السورة السالفة أمرا بالاستغفار، وفي هذه ذكر وقوع المغفرة.
تفسير المراغي
المراغي