إنما المؤمنون إخوة لانتسابهم إلى أصل واحد وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية ولما كان منشأ هذا الأصل هو النبي صلى الله عليه وسلم كان أبا المؤمنين وأزواجه أمهاتهم وهذه الجملة تعليل وتقرير للأمر بالإصلاح ولذلك كرره مرتبا عليه فقال فأصلحوا بين أخويكم وضع الظاهر موضع المضمر مضافا إلى المأمورين للمبالغة في التقرير والفاء للسببية قرأ يعقوب بين إخوتكم بالتاء الفوقانية على الجمع والباقون بالباء التحتانية على التثنية وخص الاثنين بالذكر لأنهما أقل من يقع بينهما الخلاف واتقوا الله ولا تخالفوا أمره لعلكم ترحمون على تقواكم فإن التقوى سبب للتواصل والائتلاف والتراحم بينكم والتراحم موجب رحمة الله تعالى قال عليه الصلاة والسلام ( إنما يرحم الله من عباده الرحماء ) رواه المجدد رضي الله تعالى عنه، وفي الصحيحين ( لا يرحم الله من لا يرحم الناس ) ١ من حديث جرير ابن عبد الله قال البغوي يروى أنها لما نزلت قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصطلحا وكف بعضهم عن بعض وأخرج سعيد ابن منصور وابن جرير عن أبي مالك قال ثلاث رجال من المسلمين فغضب قوم هذا لهذا وقوم هذا لهذا فاقتتلوا بالأيدي والنعال فأنزل الله تعالى تلك الآية ولعل هذه القصة بعينه هي السابقة وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وكذا ذكر البغوي عن السدي قال كان رجل من الأنصار يقال له عمران تحته امرأة يقال لها أم زيد وإن المرأة أرادت أن تزور أهلها فحبسها زوجها جعلها في علية له وإن المرأة بعثت إلى أهلها فجاء قومها وانزلوها لينطلقوا بها وكان الرجل قد خرج فاستعان أهله فجاء بنو عمه ليحولوا بين المرأة وبين أهلها فتدافعوا واجتلدوا بالنعال فنزلت فيهم فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم وفاؤوا إلى أمر الله. وأخرج ابن جرير وذكر البغوي عن قتادة قال ذكر لنا أن هذه الآية نزلت في رجلين من الأنصار وكانت بينهما مداراة في حق بينهما فقال أحدهما الآخر لآخذن عنوة لكثرة عشيرته والآخر دعاه للتحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأبى فلم يزل الأمر حتى تدافعوا وحتى تناول بعضهم بعضا بالأيدي والنعال ولم يكن قتال بالسيوف، وأخرج ابن جرير عن الحسن قال كانت الخصومة بني الحيين فيدعوهم إلى الحكم فيأبون أن يجيبوا فأنزل الله تلك الآية ولعل هذه القصة ما ذكر قتادة روى البغوي وغيره عن سالم عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يشتمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة )٢ وروى مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره التقوى هاهنا وأشار إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )٣ وفي الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، قال البغوي ويدل عليه ما روي عن الحارث الأعور أن علي ابن أبي طالب رض سئل عن الجمل والصفين أمشركون هم ؟ فقال لا من الشرك فروا فقيل منافقين لهم ؟ فقال لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا فما حالهم قال إخواننا بغوا علينا، مسألة : إذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة وخرجوا عن إطاعة الإمام دعاهم إلى العود وكشف شبهتهم فإن أبدوا ما يجوز لهم القتال كان ظلمهم الإمام أو ظلم غيرهم ظلما لا شبهة فيه يجب على الناس أن يعينوهم حتى ينصفوهم الإمام ويرجع عن جوره كذا قال ابن الهمام وإن لم يبدوا ذلك وتحيزوا للقتال مجتمعين حل لنا قتالهم بدءا، وقال الشافعي لا يجوز قتالهم حتى ابتدأو بالقتال وهو قول مالك وأحمد وأكثر أهل العلم لأن قتل المسلم لا يجوز إلا دفعا وهم مسلمون قال الله تعالى : فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا قلنا البغي في اللغة الطلب قال الله تعالى : قال ذلك ما كنا نبغ ٤ والمراد هاهنا طلب ما يخل من الجور والظلم والإباء عن قبول أحكام الشرع كما في قوله تعالى : فإن أطعناكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ٥ يعني لا تطلبوا عليهن ظلما فلا يشترط في جواز قتالهم بداية القتال منهم وإنما شرطنا منعتهم لأنه إذا لم يكن لهم منعة نقدر على إلزامهم بالحبس والضرب ونحو ذلك فلا حاجة على القتال ولو شرطنا بداية القتال منهم فربما لا يمكن دفعهم لتقوى شوكتهم جمعهم مسألة : يجهز على الجريح من البغاة ويتبع موليهم إن كان لهم فئة يخاف أن يلحق بالفيئة وإن لم يكن له فئة لا يجهز ولا يتبع وقال الشافعي ومالك وأحمد لا يجهز ولا يتبع في الحالين لأن القتال إذا تركوه بالتولية والجراحة لم يبق قتلهم دفعا ولا يجوز قتلهم إلا دفعا لشرهم روى ابن أبي شيبة عن عبد خير عن علي أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا ومن ألقى سلاحه فهو آمن وأسند أيضا لا يقتل أسير، قلنا احتمال شرهم باق إذا خيف لحوقهم بالفيئة وأصحاب الجمل لم يكن لهم فيئة حين قال ذلك، وما رواه الحاكم في المستدرك والبزار في مسنده من حديث كوثر ابن حكيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ) هل تدري يا ابن أم عبد كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة ؟ قال الله تعالى ورسوله أعلم، قال لا تجهز على جريحها ولا يقتل أسيرا ولا يقسم فيئها ) فأعله البزار بكوثر ابن حكيم وتعقب الذهبي على الحاكم. مسألة : ولا تسبي ذريتهم ولا يقسم مالهم إجماعا بل يحبس مالهم حتى يتوبوا، روى ابن أبي شيبة أن عليا لما هزم طلحة وأصحابه أمر مناديا فنادى أن لا يقتل مقبل ولا مدبر يعني بعهد الهزيمة ولا يفتح باب ولا يستحل فرج ولا مال، وروى عبد الرزاق نحوه وزاد وكان علي لا يأخذ مال المقتول ويقول من اعترف شيئا فليأخذه وفي تاريخ واسط بإسناده عن علي أنه قال يوم الجمل لا تتبعوا مدبرا ولا تجهزوا على جريح ولا تقتلوا أسيرا وإياكم والنساء وإن شتمن أعراضكم وسبين أمراءكم. مسألة : ولا بأس أن تقاتلوا بسلاحهم إن احتاج إليه أهل العدل وكذا الكراع يقاتلون عليه، وقال الشافعي ومالك وأحمد لا يجوز استعمال سلاحهم وكراعهم لنا ما روى ابن أبي شيبة في آخر منصفه في باب وقعة الجمل أن عليا قسم الجمل في العسكر ما أجافوا عليه من كراع وسلاح، قال صاحب الهداية وكان قسمة للحاجة لا للتمليك لانعقاد الإجماع على عدم تملك أموالهم مسألة : ما أتلف أهل البغي على أهل العدل في حال القتال من نفس أو مال فإن كان لهم منعة وتأويل مالك وأبو حنيفة وأحمد في رواية الشافعي في الجديد الراجح أنه لا يضمن وقال الشافعي في رواية الأخرى وأحمد يضمن، قال البغوي قال ابن شهاب كانت في تلك الفتنة دماء يعرف في بعضها القاتل والمقتول وأتلف أموال ثم صار الناس إلى أن أسكت الحرب وجرى الحكم عليهم فما علمت اقتص من أحد ولا أغرم مالا أتلفه. مسألة : باغ قتل عادلا مدعيا حقيقة يرثه وإن أقرأنه على الباطل لا يرث عند أبي حنيفة وعند أبي يوسف والشافعي لا يرث الباغي العادل سواء ادعى حقيقة أو أقرأنه على باطل وعادل قتل باغيا يرث إجماعا. مسألة : الخارجون عن إطاعة الإمام إذا لم يكن لهم تأويل سواء كان لهم منعة أو لا يأخذون أموال الناس ويقتلونهم الطريق فهم قطاع الطريق وقد مر حكمهم في سورة المائدة : أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ٦ مسألة : من كان خارجا من حكم الإمام ولا منعة له يلزمه حكم الله بالحبس والضرب ونحو ذلك ولا يجوز قتله.
قال البغوي روي أن عليا سمع رجلا يقول في ناحية المسجد لا حكم إلا الله، فقال علي كلمة حق أريد به الباطل لكم علينا ثلاث لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسم الله عز وجل ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا ولا نبدؤكم بقتال كذا قال محمد بلغنا عن علي رض فذكره نحوه والله أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: المظالم باب: لا يظلم المسلم المسلم ولا يسلمه وأخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب باب: تحريم الظلم ٢٥٨٠.
٣ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وماله وعرضه ٢٥٦٤.
٤ سورة الكهف: الآية: ٦٤.
٥ سورة النساء: الآية ٣٤.
٦ سورة المائدة، الآية ٣٣.
التفسير المظهري
المظهري