ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦ

وسائل فض المنازعات
وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ( ٩ ) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ( ١٠ )

تمهيد :

في آيات سابقة أمر القرآن بالتثبت في الأخبار، خشية العدوان على قوم آمنين غير معتدين، وهنا يهتم القرآن بالصلح بين المتخاصمين، ويجعل ذلك مهمة الحاكم ومسئولية الأمة، فعليهم الدعوة إلى الصلح، ودفع البغاة حتى يخضعوا إلى حكم الله تعالى، فإذا خضعوا وجب الحكم بالعدل بينهم، حتى نقضي على الفتنة، وتتراضى النفوس بصفة دائمة، فالله تعالى عادل وقد أمر بالعدل.
قال تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل... ( النساء : ٥٨ ).
إن بين المسلمين رحما عامة يجب أن توصل، فربهم واحد، ونبيهم واحد، وكتابهم واحد، وأمتهم واحدة، وقبلتهم واحدة، والإسلام أخوة شاملة لهم جميعا، فيجب الصلح بينهم، والتقوى وسيلة إلى رحمة الله، ومغفرته وفضله.
المفردات :
إخوة : الإخوة في النسب، والإخوان في الصداقة، واحدهم أخ، وقد جعلت الإخوة في الدين، كالأخوة في النسب، كأن الإسلام أب لهم، قال قائلهم :
أبى الإسلام لا أب لي سواه إذا افتخروا بقيس أو تميم
التفسير :
١٠- إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون .
المؤمنون إخوة في الدين والإسلام، وبينهم وشائج الأخوة الكاملة، فإن وقع نزاع بين الإخوة، وجب أن نسارع إلى الصلح بينهم، ونبذل في ذلك الجهد والحكمة، وحسن الدعوة، ومحاولة التوفيق، مع مراقبة الله رجاء رحمته وفضله وإكرامه.
أخرج الشيخان بسنديهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره- بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )١٢.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:سبب النزول
تعددت الروايات في سبب نزول الآيتين ( ٩، ١٠ ) من سورة الحجرات، وكلها تلتقي على أن نزاعا ما حدث بين الأوس والخزرج، أو بين قبيلتين من الأنصار، أو رجلين من الأنصار، أو حيين من أهل المدينة، ويمكن الجمع بينها بأن ذلك من تعدد الأسباب والمنزل واحد.
أخرج ابن جرير، عن الحسن قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون إلى الحكم، فيأبون أن يجيبوا، فأنزل الله : وإن طائفتان... إلى آخر الآيتين.
وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله بن أبي بن سلول، وكان صلى الله عليه وسلم راكبا حمارا، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبّي -وهو من الأوس- للنبي صلى الله عليه وسلم : إليك عنّى، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة -وهو من الخزرج- : والله إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقعت بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا...
وقد ورد مثل ذلك في مسند أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير وغيرهم، ويجمع بين الروايات بأن خصومة ما وقعت بين الأوس والخزرج، أو بين امرأة وكانت من قبيلة وزوجها من قبيلة أخرى، وأن الرجل حبس امرأته في علية له، فبعثت المرأة إلى أهلها فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكانت بينهما معركة، فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله تعالى، ونزلت الآيتان.
في أعقاب تفسير الآيتين

قتال علي ومعاوية :


١-
كان القتال لشبهة قامت بينهما، فالإمام علي طلب البيعة من أهل الشام وعلى رأسهم معاوية، ومعاوية طلب الأخذ بثأر عثمان، ممن يوجد من قتلته في معسكر علي، فكان علي يقول : ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، وكان معاوية ومن معه يقولون : لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحا ومساء، وحدثت معارك وأهوال بين الفريقين.

٢-
قال ابن العربي في أحكام القرآن : هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( تقتل عمارا الفئة الباغية )، ١٣ أي عمار بن ياسر.

٣-
لا خلاف بين الأمة في أنه يجوز للإمام تأخير القصاص، إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتيت الكلمة.

٤-
الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، ولذلك تخلف قوم من الصحابة، رضي الله عنهم، عن هذا الأمر، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وصوب عملهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه.

٥-
قوله تعالى : فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل...
يدل على أن من العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي مطالبتهم بذلك تنفير لهم عن الصلح، واستمرار في البغي.

٦-
ما استهلك البغاة : إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال، والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
من تفسير فتح القدير للشوكاني
إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمته، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها نحو الأخرى.
من تفسير القرطبي
( أ ) لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا الله بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وذكر أن الله قد غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.
قال تعالى في سورة التوبة : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه... ( التوبة : ١٠٠ ).
وقال تعالى في سورة الفتح : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة... ( الفتح : ١٨ ).
هذا مع ما ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن طلحة شهيد يمشي على الأرض )، فلو كان ما خرج له معصية لم يكن بالقتل فيه شهيدا.
( ب ) سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم، فقال : تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يريد التحرز من الحكم على بعضهم، بما لا يكون مصيبا فيه.
( ج ) قال الحسن البصري : قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا. واختلفوا فوقفنا.
وقال المحاسبي : فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين.
( د ) سئل الإمام علي رضي الله عنه عمن قاتلوه : أمشركون هم ؟ قال : لا، من الشرك فروا، فقيل له : أمنافقون هم ؟ قال : لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، فقيل له : فما حالهم ؟ قال : هم إخواننا بغوا علينا.



سبب النزول
تعددت الروايات في سبب نزول الآيتين ( ٩، ١٠ ) من سورة الحجرات، وكلها تلتقي على أن نزاعا ما حدث بين الأوس والخزرج، أو بين قبيلتين من الأنصار، أو رجلين من الأنصار، أو حيين من أهل المدينة، ويمكن الجمع بينها بأن ذلك من تعدد الأسباب والمنزل واحد.
أخرج ابن جرير، عن الحسن قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون إلى الحكم، فيأبون أن يجيبوا، فأنزل الله : وإن طائفتان... إلى آخر الآيتين.
وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله بن أبي بن سلول، وكان صلى الله عليه وسلم راكبا حمارا، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبّي -وهو من الأوس- للنبي صلى الله عليه وسلم : إليك عنّى، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة -وهو من الخزرج- : والله إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقعت بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا...
وقد ورد مثل ذلك في مسند أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير وغيرهم، ويجمع بين الروايات بأن خصومة ما وقعت بين الأوس والخزرج، أو بين امرأة وكانت من قبيلة وزوجها من قبيلة أخرى، وأن الرجل حبس امرأته في علية له، فبعثت المرأة إلى أهلها فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكانت بينهما معركة، فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله تعالى، ونزلت الآيتان.
في أعقاب تفسير الآيتين
قتال علي ومعاوية :
١- كان القتال لشبهة قامت بينهما، فالإمام علي طلب البيعة من أهل الشام وعلى رأسهم معاوية، ومعاوية طلب الأخذ بثأر عثمان، ممن يوجد من قتلته في معسكر علي، فكان علي يقول : ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، وكان معاوية ومن معه يقولون : لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحا ومساء، وحدثت معارك وأهوال بين الفريقين.
٢- قال ابن العربي في أحكام القرآن : هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( تقتل عمارا الفئة الباغية )، ١٣ أي عمار بن ياسر.
٣- لا خلاف بين الأمة في أنه يجوز للإمام تأخير القصاص، إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتيت الكلمة.
٤- الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، ولذلك تخلف قوم من الصحابة، رضي الله عنهم، عن هذا الأمر، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وصوب عملهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه.
٥- قوله تعالى : فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل...
يدل على أن من العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي مطالبتهم بذلك تنفير لهم عن الصلح، واستمرار في البغي.
٦- ما استهلك البغاة : إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال، والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
من تفسير فتح القدير للشوكاني
إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمته، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها نحو الأخرى.
من تفسير القرطبي
( أ ) لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا الله بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وذكر أن الله قد غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.
قال تعالى في سورة التوبة : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه... ( التوبة : ١٠٠ ).
وقال تعالى في سورة الفتح : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة... ( الفتح : ١٨ ).
هذا مع ما ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن طلحة شهيد يمشي على الأرض )، فلو كان ما خرج له معصية لم يكن بالقتل فيه شهيدا.
( ب ) سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم، فقال : تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يريد التحرز من الحكم على بعضهم، بما لا يكون مصيبا فيه.
( ج ) قال الحسن البصري : قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا. واختلفوا فوقفنا.
وقال المحاسبي : فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين.
( د ) سئل الإمام علي رضي الله عنه عمن قاتلوه : أمشركون هم ؟ قال : لا، من الشرك فروا، فقيل له : أمنافقون هم ؟ قال : لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، فقيل له : فما حالهم ؟ قال : هم إخواننا بغوا علينا.
سبب النزول
تعددت الروايات في سبب نزول الآيتين ( ٩، ١٠ ) من سورة الحجرات، وكلها تلتقي على أن نزاعا ما حدث بين الأوس والخزرج، أو بين قبيلتين من الأنصار، أو رجلين من الأنصار، أو حيين من أهل المدينة، ويمكن الجمع بينها بأن ذلك من تعدد الأسباب والمنزل واحد.
أخرج ابن جرير، عن الحسن قال : كانت تكون الخصومة بين الحيين، فيدعون إلى الحكم، فيأبون أن يجيبوا، فأنزل الله : وإن طائفتان... إلى آخر الآيتين.
وقيل : كان النبي صلى الله عليه وسلم متوجها لزيارة سعد بن عبادة في مرضه، فمر على عبد الله بن أبي بن سلول، وكان صلى الله عليه وسلم راكبا حمارا، فبال الحمار، فقال عبد الله بن أبّي -وهو من الأوس- للنبي صلى الله عليه وسلم : إليك عنّى، فوالله لقد آذاني نتن حمارك، فقال عبد الله بن رواحة -وهو من الخزرج- : والله إن بول حماره أطيب ريحا منك، فغضب لعبد الله رجل من قومه، وغضب لكل واحد منهما أصحابه، فوقعت بينهم حرب بالجريد والأيدي والنعال، فأنزل الله فيهم : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا...
وقد ورد مثل ذلك في مسند أحمد، والبخاري، ومسلم، وابن جرير وغيرهم، ويجمع بين الروايات بأن خصومة ما وقعت بين الأوس والخزرج، أو بين امرأة وكانت من قبيلة وزوجها من قبيلة أخرى، وأن الرجل حبس امرأته في علية له، فبعثت المرأة إلى أهلها فجاء قومها وأنزلوها لينطلقوا بها، واستعان الرجل بقومه فجاءوا ليحولوا بين المرأة وأهلها، فتدافعوا وكانت بينهما معركة، فنزلت فيهم الآية، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأصلح بينهم، وفاءوا إلى أمر الله تعالى، ونزلت الآيتان.
في أعقاب تفسير الآيتين
قتال علي ومعاوية :
١- كان القتال لشبهة قامت بينهما، فالإمام علي طلب البيعة من أهل الشام وعلى رأسهم معاوية، ومعاوية طلب الأخذ بثأر عثمان، ممن يوجد من قتلته في معسكر علي، فكان علي يقول : ادخلوا في البيعة واطلبوا الحق تصلوا إليه، وكان معاوية ومن معه يقولون : لا تستحق البيعة وقتلة عثمان معك تراهم صباحا ومساء، وحدثت معارك وأهوال بين الفريقين.
٢- قال ابن العربي في أحكام القرآن : هذه الآية أصل في قتال المسلمين، والعمدة في حرب المتأولين، وعليها عول الصحابة، وإياها عني النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :( تقتل عمارا الفئة الباغية )، ١٣ أي عمار بن ياسر.
٣- لا خلاف بين الأمة في أنه يجوز للإمام تأخير القصاص، إذا أدى ذلك إلى إثارة الفتنة، أو تشتيت الكلمة.
٤- الأمر بقتال البغاة فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط الطلب عن الباقين، ولذلك تخلف قوم من الصحابة، رضي الله عنهم، عن هذا الأمر، كسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمرو، ومحمد بن مسلمة وغيرهم، وصوب عملهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واعتذر إليه كل واحد منهم بعذر قبله منه.
٥- قوله تعالى : فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل...
يدل على أن من العدل في صلحهم ألا يطالبوا بما جرى بينهم من دم ولا مال، فإنه تلف على تأويل، وفي مطالبتهم بذلك تنفير لهم عن الصلح، واستمرار في البغي.
٦- ما استهلك البغاة : إن ما استهلك أثناء تجمع البغاة والخوارج للقتال، والتفرق عند انتهاء الحرب من دم أو مال، لا ضمان فيه بالإجماع.
من تفسير فتح القدير للشوكاني
إذا تقاتل فريقان من المسلمين، فعلى المسلمين أن يسعوا بالصلح بينهم، ويدعوهم إلى حكم الله، فإن حصل بعد ذلك التعدي من إحدى الطائفتين على الأخرى، ولم تقبل الصلح ولا دخلت فيه، كان على المسلمين أن يقاتلوا هذه الطائفة الباغية، حتى ترجع إلى أمر الله وحكمته، فإن رجعت تلك الطائفة الباغية عن بغيها، وأجابت الدعوة إلى كتاب الله وحكمه، فعلى المسلمين أن يعدلوا بين الطائفتين في الحكم، ويتحروا الصواب المطابق لحكم الله، ويأخذوا على يد الطائفة الظالمة حتى تخرج من الظلم، وتؤدي ما يجب عليها نحو الأخرى.
من تفسير القرطبي
( أ ) لا يجوز أن ينسب إلى أحد من الصحابة خطأ مقطوع به، إذ كانوا كلهم اجتهدوا فيما فعلوه، وأرادوا الله عز وجل، وهم كلهم لنا أئمة، وقد تعبدنا الله بالكف عما شجر بينهم، وألا نذكرهم إلا بأحسن الذكر لحرمة الصحبة، ونهي النبي صلى الله عليه وسلم عن سبهم، وذكر أن الله قد غفر لهم، وأخبر بالرضا عنهم.
قال تعالى في سورة التوبة : والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه... ( التوبة : ١٠٠ ).
وقال تعالى في سورة الفتح : لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة... ( الفتح : ١٨ ).
هذا مع ما ورد من الأخبار من طرق مختلفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :( إن طلحة شهيد يمشي على الأرض )، فلو كان ما خرج له معصية لم يكن بالقتل فيه شهيدا.
( ب ) سئل بعضهم عن الدماء التي أريقت فيما بينهم، فقال : تلك دماء طهر الله منها يدي، فلا أخضب بها لساني. يريد التحرز من الحكم على بعضهم، بما لا يكون مصيبا فيه.
( ج ) قال الحسن البصري : قتال شهده أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وغبنا، وعلموا وجهلنا، واجتمعوا فاتبعنا. واختلفوا فوقفنا.
وقال المحاسبي : فنحن نقول كما قال الحسن، ونعلم أن القوم كانوا أعلم بما دخلوا فيه منا، ونتبع ما اجتمعوا عليه، ونقف عما اختلفوا فيه، ولا نبتدع رأيا منا، ونعلم أنهم اجتهدوا وأرادوا الله عز وجل، إذ كانوا غير متهمين في الدين.
( د ) سئل الإمام علي رضي الله عنه عمن قاتلوه : أمشركون هم ؟ قال : لا، من الشرك فروا، فقيل له : أمنافقون هم ؟ قال : لا، لأن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا، فقيل له : فما حالهم ؟ قال : هم إخواننا بغوا علينا.

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

عبد الله محمود شحاتة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير